قيمة الجمال الجوهري في العوالم المتخيلة

ضحى عبدالرؤوف المل

يكشف الفنان "مامر تالوستان" (Mamer Talostan) عن أسرار أحلام اليقظة النابعة من الميثولوجيا والأساطير، والكائنات المستحدثة من عوالم خرافية يمدها فنياً بأسلوب يثير من خلاله الجوانب الأساسية في المعتقدات إلى الجانب الإنساني، والتفرد بمضاعفة الخطوط والعيون أو البؤرة المتكررة بابتكار الكائن الفريد من نوعه أو الاستنساخ الناتج عن الرغبة في الخروج من المألوف، بأشكال متعددة حتى لو تشابهت أو تطابقت. إلا أنها تتناقض مع التحولات في التشابه التقني للشخصيات التي يختارها ليرسمها. فتصبح اللوحة هي المهد الذي يحتضن التخيلات أو التغييرات للكائن الذي يرمز إلى الأحلام، وفق الرموز والأنماط اللونية الهادئة في أغلبها، كصاحب المزمار الذي يجعلنا نعود إلى قصص الأطفال والقصص العالمية المشهورة، وما ينتج عنها من ابتكار لتصوير شخصياتها. مما يتعارض مع مفهوم التجانس في رسومات الأطفال وما يرسمه مامر. إذ تضعنا لوحاته أمام ميثولوجيات ذات صياغة حسية شفافة في تطلعاتها، تبعاً لمفهوم فني ينفصم عن الاضطرابات النفسية وسواها. إذ تستقر الشخصيات الكاريكاتورية نوعاً ما في المحتوى أو ضمن زمان ومكان ولون، ومساحة وفراغ فقط كخرافة لا تعتمد على التعبير الحركي فقط في الألوان والظل، وإنما بإعادة صياغة الفكرة الأسطورية بإثارة عمق المقاربات بين الشخصيات التي يرسمها باختصارات وتكثيف تتأرجح بين المعقول واللامعقول، وبريشة تنتمي إلى حداثة يرسم من خلالها هواجس الإنسان ومخاوفه، بانتظار الحكايا وإطلالتها الساحرة التي تجعلنا نغوص في عوالم المجهول، لابتكار شخصيات جديدة نتمسك بها كشعار للوجود أو لجماليات في عوالم أخرى.

فهل البساطة في أعمال "مامر تالوستان" تنتج شخصيات كرتونية تميل إلى الخيال الرمزي المدمج من الناحية الجمالية مع الأحلام التي لا يمكن إدراكها إلا ضمن الشكل أو الوجه القادر على محو المخاوف بعد تفسيرها من ريشة ترسم تخيلات لعوالم أخرى؟

يشكل تعزيز اللوحة بالألوان في أعمال الفنان "مامر تالوستان" تحديات تستجيب الريشة لها مورفولوجياً، وبتناسب ينتج عنه تآلف بين الشكل واللون بشكل غير مفرط، وأن لا أشكال أسطورية يستخرجها من الذات تبعاً لمخزون ذهني يحتفظ به في التأليف أو التحفيز الفني ومن ثم العودة إلى رؤية الذكريات التي تسترشد بها الأحاسيس أو الريشة التي تتبع مخزونها الثقافي، ليشير إلى المخاوف الناتجة عن الصراعات الداخلية بين البشر، والأطر الميثولوجية الأخرى التي يحولها إلى نماذج معروفة، وفق الإيحاءات الذهنية النابعة من حكايا الأطفال وأساطيرهم، وحتى بعض شخصياتهم الكرتونية أو حتى عن قراءات ميثولوجية دينية مستحدثة بعيداً عن مسألة الأشكال والألوان والتصميم والقياسات والمعايير.

إلا أنه لا ينأى بالريشة بعيداً عن التفرد بالجمال. إذ يرتجل لنستكشف معه قيمة الجمال الجوهري في العوالم المتخيلة، مما يخلق نوعاً من المفارقات التشكيلية بين شخصياته التي يختارها بعين واحدة أو عيون متعددة، لما للعين من قيمة روحية متعددة الأبعاد، وبإحساس فطري نستنبش من خلاله خبايا الشخصيات الكرتونية القابعة في ذاكرتنا الطفولية التي يستنسخها مامر ببساطة فنية لا سذاجة فيها، وتخضع لقوانين اللوحة التي يريدها لإنتاج عوالم تغوص فيها السمات الإنسانية ورموزها الفرويدية أو الشو بينهورية إن أمكن القول، لتحويل الوهم إلى رمز، وبالتالي للسيطرة على الرغبات والمخاوف من خلال خصوصية العمل الفني الذي ينتجه بشكل خلاق وبجمالية تتسامى معها الدلالات الفنية الأخرى.

برؤية تحديثية اخرى يعتبر الفنان مامر تالوستان واحدًا من الأسماء البارزة في المشهد الفني المعاصر، حيث يتميز بأسلوبه الفريد الذي يمزج بين الميثولوجيا والرمزية، مما يخلق عوالم بصرية تعكس تعقيدات النفس الإنسانية وتجاربها. إن العمل الفني لديه لا يقتصر على تقديم أشكال بصرية فحسب، بل هو دعوة للتأمل والغوص في أعماق الروح البشرية.

تتجلى الرؤية البصرية في أعمال تالوستان من خلال استخدامه للألوان بشكل يعكس الحالة النفسية والتوترات الداخلية للشخصيات. الألوان ليست مجرد أدوات جمالية، بل هي تعبير عن المشاعر والأحاسيس. يستخدم الفنان تدرجات لونية هادئة في أغلب الأحيان، مما يخلق توازناً بين الحزن والفرح، ويدعو المشاهد لاستكشاف المعاني الكامنة وراء كل لون.

في أعمال تالوستان في القدرة على تحويل الرموز والأساطير إلى تجارب إنسانية ملموسة. فهو يستلهم من الميثولوجيا لخلق شخصيات تنقل لنا قصصاً عميقة تحمل رسائل حول الهوية، والصراع، والأمل. تساهم هذه الرموز في تعزيز المعاني، مما يجعل المشاهد يشعر بأنه يتفاعل مع تجارب قديمة خالدة.

تتميز تقنيات تالوستان بالتنوع والتجديد. فهو يستخدم مجموعة من الأساليب، بدءًا من الرسم التقليدي إلى التقنيات المعاصرة، مما يخلق تباينًا يثري التجربة البصرية. الخطوط المتعددة والعيون الكثيرة في شخصياته تشير إلى تعدد الرؤى ووجهات النظر، مما يعكس طبيعة الحياة المعقدة. هذا التنوع يجعل كل عمل فني يحمل طابعًا خاصًا ويتيح للمشاهد التفاعل معه بطرق مختلفة.

تعتبر أعمال تالوستان مرآة تعكس الصراعات النفسية والوجودية للإنسان. فالشخصيات التي يرسمها ليست مجرد أشكال كرتونية، بل تجسيد لمخاوف وآمال وأحلام البشرية. عبر استخدامه للرموز والأساطير، يسبر أغوار الذات الإنسانية، مما يجعل أعماله تحمل عمقًا وثراءً فكريًا يدعو للتفكير والتأمل.

بشكل عام، يقدم مامر تالوستان من خلال أعماله تجربة فنية غنية تعبر عن التعقيد الجمالي والوجودي للإنسان. إن قدرته على الجمع بين الأسطورة والواقع، وبين الشكل والمضمون، تجعل من فنه تجربة فريدة من نوعها. إن أعماله تدعو المشاهدين ليس فقط للاستمتاع بالجمال البصري، بل للتفكير في الدلالات العميقة التي تحملها، مما يضفي قيمة كبيرة على تجربتهم الفنية.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%AA%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D9%82%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D9%87%D8%B1%D9%8A/