ظلمة الحياة البشرية في المجتمع الأعمى: قراءة في رواية "العمى" لجوزيه ساراماغو

ضحى عبدالرؤوف المل

في رواية "العمى" للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو، تُعرض لنا صورة مؤلمة عن انهيار المجتمع البشري تحت وطأة مرض مفاجئ يصيب جميع أفراده، وهو العمى الذي يجتاح المدينة بشكل غامض ويؤدي إلى الفوضى. الرواية، التي تُرجمت إلى العربية بواسطة محمد حبيب، لا تقدم فقط قصة مرض، بل تفتح آفاقًا واسعة للتأمل في النظام الاجتماعي والسياسي، وتكشف عن هشاشة البشر في مواجهة الأزمات الوجودية. وهي بذلك تقدم رمزية عميقة حول كيف أن التدهور الصحي والاجتماعي والسياسي يمكن أن يتحول إلى كابوس حقيقي يحكم على الناس بالظلام الأبدي.

العمى كرمزية للأزمات الإنسانية

"العمى" في رواية ساراماغو ليس مجرد فقدان للحواس البصرية، بل هو غياب للرؤية الكلية، للأمل، ولأي نوع من القدرة على فهم العالم. والمجتمع الذي يصبح "أعمى" ليس هو المجتمع الذي يعاني من فقدان البصر فحسب، بل هو المجتمع الذي يفتقر إلى الوعي أو البصيرة الأخلاقية والفكرية. الرواية تصوّر "العمى" كمرض اجتماعي ينهش في البنية الأساسية للمجتمع، مما يؤدي إلى انهيار الأنظمة، لا سيما الأنظمة الصحية والسياسية، ويفضح الفساد والهشاشة في تلك الأنظمة. تتعرض المجتمعات للأزمات دون القدرة على إيجاد حلول جذرية، لأن الجميع يفتقد القدرة على رؤية الحقيقة أو التصرف العقلاني في ظل الغموض والخوف.

تأثير العمى على الإنسان

في "العمى"، يظهر تأثير المرض على كل فرد من أفراد المجتمع بشكل متدرج. البداية مع الشخص الذي يصاب بالعمى أولاً، ثم يتبع ذلك العديد من الحالات المماثلة التي تنتشر بسرعة. لكن تأثير العمى لا يتوقف عند المرض الجسدي فحسب؛ بل يبدأ في التأثير على العلاقات الاجتماعية والنفسية بين الأشخاص. تكشف الرواية أن المرض ينشأ عن ضعف البنية الاجتماعية، وأن العمى يرافقه انهيار في القيم الإنسانية الأساسية مثل التضامن، الأمان، والعدالة. الازدواجية بين الشخص الذي يعاني من العمى وبين زوجته التي لا تصاب بالمرض، هي رمز هام لفهم الفارق بين الوعي الكامل لما يحدث من حولنا، وبين العيش في جهل مقصود أو محكوم من قبل ظروف مجتمعية غير عادلة.

زوجة الطبيب، التي تظل "البصيرة الوحيدة" في الرواية، تقدم لنا منظورًا مختلفًا. بينما يعاني الجميع من العمى، هي الوحيدة التي ترى العالم، ولكنها في نفس الوقت تشعر بعبء هذه الرؤية. هو عبء يحمل معاناة تفوق معاناة المعصوبين عن الرؤية، لأن الذاكرة البصرية لا تترك مكانًا للإنكار أو الهروب من الحقائق. على الرغم من حفاظها على القدرة على الرؤية، نجدها تتمنى لو كانت مثلهم، لأن العمى ربما يكون أرحم من الرؤية المتفجرة بالحقيقة.

العمى كإشارة إلى الأزمات الاجتماعية والسياسية

الرواية تقدم أيضًا نقدًا حادًا للأنظمة السياسية الفاسدة التي تساهم في تفشي الأوبئة الاجتماعية والصحية، مثل الفقر والفساد الإداري. المرض الذي يصيب المدينة لا يُفهم في الرواية فقط كأزمة صحية، بل هو مرآة لانهيار تام في النظام الاجتماعي. منذ اللحظة التي يبدأ فيها العمى بالانتشار، نجد أن السلطات السياسية تتعامل معه بعنف ولامبالاة، مما يؤدي إلى تدهور الأوضاع أكثر. يعكس هذا الوضع مشهدًا مأساويًا لأنظمة سياسية تُظهر غيابًا كاملًا للإنسانية، وكأن الشخص المصاب بالمرض يصبح "غير مرئي" ضمن سياق السلطة، مجرد رقم في سجل الأزمة.

الرواية تتناول بشكل رمزي ما يمكن أن نسميه "العمى السياسي والاجتماعي". فالجماعات التي لا ترى ما يحدث حولها، التي تغلق عيونها عن الحقائق التي تجتاحها، تصبح في النهاية أعمى عن مسؤولياتها الجماعية. مثلما أن العمى ليس مجرد مرض عضوي، بل حالة من العجز في مواجهة الواقع، فإن الانهيار السياسي والاجتماعي يؤدي إلى نتائج مشابهة من فقدان الإحساس بالمسؤولية والمحاسبة.

العمى والفوضى الوجودية

رواية "العمى" لا تقتصر فقط على تصوير الأزمات الاجتماعية والصحية، بل تقدم أيضًا تأملًا عميقًا في العلاقة بين الإنسان والوجود. العمى في الرواية هو كما لو أنه بداية من حالة من الفوضى الشاملة التي تقوض المعنى الحقيقي للحياة. الجميع يعانون من حالة من الفوضى الوجودية، حيث تُفقد الحدود بين الخير والشر، ويموت المعنى الأخلاقي للنظام الاجتماعي في ظل قوانين الفوضى والأنانية.

من خلال تصاعد أحداث الرواية، نشهد تحولًا غريبًا للمجتمع إلى حالة من العنف العاري والفوضى الاجتماعية، وهو ما يعكسه توجيه الرواية نحو قضايا مثل حقوق الإنسان، والإهمال السياسي، والممارسات القمعية. لكن الأمل الوحيد، كما يظهر في شخصية زوجة الطبيب، هو في العودة إلى البصيرة الإنسانية والوعي الجماعي. الخروج من الظلام، كما يراه ساراماغو، يتطلب ممارسات إنسانية، وتضامن اجتماعي بعيد عن الأنانية والفوضى.

الخاتمة: العمى في زمن الوباء

عند قراءتي لهذه الرواية في سياق الزمن الذي نعيشه اليوم، حيث نواجه تحديات صحية عالمية مثل الأوبئة، تتضح لي أكثر الرؤية الرمزية للعمى ككابوس جماعي. نحن نعيش في عصر حيث تبرز أزمات كبيرة مثل الأوبئة والكوارث الصحية، في الوقت الذي يعجز فيه المجتمع عن إيجاد حلول جذرية أو تحركات جماعية فعالة. كما تطرقت الرواية إلى المسائل التي تشغلنا اليوم: كيف نواجه الأوبئة، كيف نُعيد النظر في أنظمتنا الصحية والاجتماعية، وكيف نعيد تشكيل قيمنا الإنسانية.

إن "العمى" ليست مجرد رواية عن مرض، بل هي دراسة عن هشاشة الإنسان في مواجهة الكوارث الجماعية. هل نحن في الواقع أعمى البصيرة ونحن نمضي في حياتنا اليومية دون أن نعي ما يخبئه المستقبل؟ وهل سنظل نعيش في العمى حتى نواجه الكارثة الكبرى؟ هذه الأسئلة التي تطرحها الرواية تظل قائمة في أذهاننا، خاصة في ظل الأزمات العالمية الراهنة.

Doha El Mol

dohamol@hotmail.com

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%B8%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%85%D9%89-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%AC%D9%88%D8%B2%D9%8A%D9%87-%D8%B3%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%BA%D9%88/