الفنان المغربي أحمد الهواري لـ «اللواء»: أصبح العالم الافتراضي التشكيلي الإلكتروني معرضاً عالمياً
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل.
ترتبط ريشة الفنان المغربي "أحمد الهواري" بديناميكية الأداء التشكيلي والتمثيل البصري الذي يأخذنا إلى هموم اجتماعية أو قضايا إنسانية، ولكن ضمن الأسلوب التكعيبي المثير للفرح بالألوان، وبوعي للخفايا الفنية التي يمزجها بالكثير من الاستدلالات التي تسمح بظهور الجماليات التي تطغى على الفكرة، فتظهر اللوحة جماليًا بأبهى حلة. ومعه أجرينا هذا الحوار.
- سحر المغرب في لوحة وشغف الألوان، ريشة متى تأخذها إلى اللون الأبيض؟
اللون الأبيض هو اللون المحايد في أعمالي، لكن عند توظيفه في اللوحة يكون بمثابة مساحة ترتاح فيها العين، ويجعل عناصر ومكونات العمل تنسجم فيما بينها. هو أيضًا بمثابة الأمل والضوء عندما يتسرب بين المساحات والأشكال في العمل، ويجعلها تنسجم معًا وتحقق نوعًا من الهدنة. فاللون الأبيض في العمل له دور الصلح بين مقومات العمل من أجل مساعدة المتلقي على التنقل بين كل أجزاء اللوحة بدون ملل. يمكنني أيضًا توظيف الأبيض في الخطوط التي تدل على الحركة بدلًا من أي لون آخر عندما تكون المساحة داكنة اللون من أجل إبراز قوة الحركة والإحساس بكل صراحة. فأنا أتعامل مع الألوان بصفة عامة كأحاسيس متحركة تتكلم وتتناقش فيما بينها. فأسود اللون يحقق الاستقرار والعمق بين الألوان، والأبيض عنصر حر طليق يتنقل بين مكونات العمل، فهو لون طيب وهادئ وحنون، بمثابة الأم في الأسرة.
- أحمد الهواري، ما الأسلوب الذي تميل له، وأين اللوحة التشكيلية اليوم في ظل كورونا؟
أميل جدًا إلى الأسلوب التكعيبي في عالم سريالي ومستقبلي، فيما يخص الحركة والإحساس. وأستعين بكل هذه الأساليب المعاصرة من أجل التعبير عن موضوع ما. وفي زمان كورونا، تمكن الفنان في ظل الحجر الصحي والأزمة الصحية العالمية من التفرغ أكثر للأعمال الفنية والإبداع أكثر وأكثر، وأصبح العالم الافتراضي التشكيلي الإلكتروني معرضًا عالميًا لعرض الأعمال الفنية بدون قيد أو شرط، ومن دون انحياز بين فنانين من كل أنحاء العالم، وفرصة أيضًا لبروز فنانين جدد كانوا يشتغلون في الخفاء. يعني الحجر الصحي كان إيجابيًا بالنسبة للفنان، والكثير من الفنانين أبدعوا بشكل مذهل جدًا في زمان كورونا.
- أي الألوان أحب لقلبك؟ ومتى تحجب بعض الألوان عن لوحاتك؟
الألوان هي بمثابة ضيوفي في مساحة اللوحة البيضاء، أرحب بهم وأختار ضيوفي حسب الموضوع من البداية، وأعرف كل لون على الآخر من أجل التعارف، وذلك بإضافة كل لون على اللون المجاور ولو بنسبة قليلة، وحتى الألوان المضادة تصبح صديقة فوق اللوحة بكل انسجام وتناغم. كل الألوان صديقة لي، وكلها قريبة إلى قلبي. أطرد اللون، مهما كان، من عملي إن لم يكن منسجمًا أو يرغب في الانسجام في العمل، وأستعين بحسي ونظرتي الخاصة بعد تأمل طويل وعميق.
- ريشتك والمرأة وسحر المعنى لا الجسد، ما رأيك؟
في أعمالي التي أجسد فيها المرأة، هي بعيدة كل البعد عما هو جسدي، بل هي كل روح طاهرة أو ربما العكس في تحليل المرأة الشريرة المستبدة أو ربة البيت الخدومة المعطاءة الحنونة أو المرأة ذات الوجهين. وأيضًا تطرقت إلى موضوع العنف ضد النساء، وسرطان الثدي، واستغلال النساء، وحب التملك. وأعطي كل الأهمية للمعنى العميق والرسالة التي أود أن أوصلها للمتلقي.
- في ظل احتجاب المعارض، هل من سوق أونلاين للوحة التشكيلية؟
أصبح العالم الافتراضي والإنترنت ملاذًا لكل فنان في ظل هذه الجائحة، ومكانًا لعرض الأعمال وتسويقها بكل سهولة كجميع المنتجات الأخرى. ومن خلالها تمكنت من بيع عدة أعمال في المغرب بالاستعانة ببعض شركات النقل الوطني فقط، أما الدولي في ظل غلق الحدود فلا يمكن.
- هل أنت راضٍ عن أعمالك حتى الآن؟ وما المميز الذي تنتظره من الفن العربي؟
في حياتي الفنية أعيش المراحل بأحاسيسها وهمومها وأفراحها وأحزانها، ومنها أستوحي أفكاري ومواضيعي. وكل عمل فني عبارة عن حكاية وذكرى موثقة بألواني وأشكالي وأحاسيسي. وأنا راضٍ كل الرضا، ونادم جدًا على بيعها. فأنا الوحيد الذي يعرف قيمتها المعنوية والفنية. وأنا في بحث مستمر عن المزيد من التقنيات التي ستساعدني على التعبير أكثر عن أفكاري وأحاسيسي، كما أطمع أن أكون أكثر انفتاحًا، وأن أشتغل بكل تلقائية وحرية أكبر، دون البحث عن الإعجاب من طرف الآخر. وأنتظر من الفن العربي المزيد من التحرر من المألوف وكل ما هو تقليدي، والمزيد من الجرأة في العمل.
في رؤية تحليلية نقدية للحوار معه نكتشف
تحليل نقدي حوار مع الفنان المغربي أحمد الهواري:
يتناول هذا الحوار مع الفنان المغربي أحمد الهواري جانبًا مهمًا من فلسفته الفنية ورؤيته الخاصة لعالم الفن التشكيلي. من خلال أسلوبه التكعيبي الفريد، يفتح الهواري نافذة جديدة لفهم اللوحة التشكيلية وكيفية تفاعل الألوان مع الفكرة والموضوع. لذا، يمكن تقسيم هذا التحليل إلى عدة محاور رئيسية تُظهر كيف يتعامل الفنان مع أبعاده الإبداعية، الاجتماعية والفنية.
1. العلاقة مع اللون الأبيض: من خلال حديثه عن اللون الأبيض، يقدم الهواري تأملًا عميقًا في كيفية استخدامه كعنصر محايد لكنه قوي في تأثيره. فهو لا يقتصر على كونه مجرد خلفية، بل يمتلك وظيفة جمالية وفلسفية في العمل الفني. هواء الأبيض، كما يراه، ليس محايدًا فحسب، بل يمثل الأمل والضوء، ويعمل كأداة للانسجام بين عناصر اللوحة. من خلال هذه الرؤية، يظهر الهواري كفنان يراهن على الألوان ليس فقط كوسيلة جمالية، بل كأدوات للتعبير عن رسائل أعمق، مشيرًا إلى سعيه لخلق توازن حيوي بين الألوان وظلالها.
2. الأسلوب التكعيبي وتأثير كورونا: أما عن الأسلوب التكعيبي، فيتحدث الهواري عن ميله لهذا الاتجاه الفني، الذي يدمج بين الواقع والخيال، من خلال أبعاده السريالية والمستقبلية. هنا، يعكس الهواري فهمًا عميقًا لتحولات الفن في ظل الظروف المعاصرة، خاصة في ظل جائحة كورونا. يبرز هذا الجانب من الحوار في تفاعل الفنان مع التحولات التقنية والاجتماعية، حيث يرى أن الحجر الصحي قد كان بمثابة فرصة لإعادة اكتشاف الفن، وأن العالم الافتراضي أصبح منصة جديدة للتعبير الفني وعرض الأعمال. هذا التحول يبرز قدرة الفنان على التكيف والابتكار، مستفيدًا من التقنيات الحديثة لتوسيع نطاق العرض والمشاركة الفنية.
3. تعامل الهواري مع الألوان: من خلال حديثه عن الألوان، يكشف الهواري عن فلسفة فنية متكاملة، حيث يعتبر الألوان بمثابة "ضيوف" في لوحته، وكل لون له مكانته وتوقيته، بما يتناسب مع الموضوع المراد التعبير عنه. هذه الرؤية تعكس حساسية عالية تجاه التناغم والتوازن في العمل الفني. يتحدث عن طريقة تفاعل الألوان فيما بينها، حتى الألوان المتضادة تصبح صديقة فوق اللوحة، مما يعكس رؤية مفتوحة ورغبة في التجريب الفني المستمر. هذا النهج يُظهر أن الهواري لا يقتصر على الالتزام بقواعد اللون التقليدية، بل يسعى إلى تقديم لغة لونية جديدة تكون في حالة حوار مستمر.
4. دور المرأة في أعماله: يُظهر الهواري اهتمامًا خاصًا بتجسيد المرأة في أعماله، حيث يعبر عن رؤيته للمرأة بعيدًا عن التصوير الجسدي التقليدي، بل من خلال التعبير عن الروح الإنسانية في أبعادها المتعددة. يبرز اهتمامه بالقضايا الاجتماعية والسياسية المتعلقة بالمرأة، مثل العنف ضد النساء، وسرطان الثدي، والاستغلال، وهي قضايا تُعتبر محورية في فن الهواري. هذا التوجه يعكس فهمًا عميقًا للمرأة كرمز للمعاناة والقدرة على التجاوز، في حين يعكس أيضًا التزامًا اجتماعيًا وفنيًا بالتوعية بالقضايا الإنسانية.
5. مستقبل الفن العربي والحرية الإبداعية: أخيرًا، يعبر الهواري عن تطلعاته لما ينتظره من الفن العربي، مشددًا على ضرورة الابتعاد عن التقليدية والتشبع بالمألوف، ودعوة الفنانين العرب إلى المزيد من التحرر الفني والجرأة في العمل. هذا الطرح يعكس رغبة في تجديد الفن العربي وجعل أعماله أكثر انفتاحًا وتلقائية، بعيدًا عن البحث عن الإعجاب أو القبول من قبل الآخرين. هذه الدعوة للتحرر تعكس رؤية الهواري كفنان مستقل يسعى للابتكار وتقديم الفن كوسيلة للتغيير الاجتماعي والفكري.
خلاصة: بناءً على هذا الحوار، يمكن القول إن الفنان أحمد الهواري يتبنى فلسفة فنية عميقة وشاملة، تمتزج فيها الألوان والأشكال مع رسائل إنسانية قوية. يعكس أسلوبه التكعيبي السريالي الوعي الفني المتجدد، في الوقت الذي يتفاعل فيه مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من خلال الفن. وبذلك، يعد الهواري فنانًا متجددًا، دائم البحث عن التجديد والإبداع، في مواجهة التقاليد الثابتة والأطر التي تحكم الفن العربي المعاصر.
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%B6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6%D8%A7-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A7/