الأنماط اللونية المتنوعة وفق أصول الفضاءات المفتوحة
ضحى عبدالرؤوف المل
تدمج الفنانة اللبنانية الفرنسية "ماري طرابلسي مارينييه" (Marie Traboulssi Mrinier) الأنماط اللونية المتنوعة وفق أصول الفضاءات المفتوحة على التعبيرات الطبيعية التي تقوم على التجاوزات في الأشكال لصالح المساحة البصرية. هذه المساحة مفتوحة على عدة تأويلات انتقائية، حيث تتناغم تفاصيلها مع الاتساق التشكيلي الأكثر تشويقًا عبر الألوان الزاهية. وهي تجعل من الفكرة نقطة محورية، مبنية على العناصر الأساسية في التكوين المنظم داخليًا، مع التقارب بين الفضاءات والتباينات من خلال المزج الابتكاري بين التفاصيل المكملة للموضوع الذي تختاره، والجمع بين الفواتح والغوامق، بتقنية التكامل الشكلي واللوني. ويُظهر ذلك عبر التباين بين الأضداد التي تستمد منها فتح الحدود البصرية على بعضها البعض، لخلق التشابك والترابط وحتى التباعد بين الخطوط والبنية الفنية التأسيسية لرؤيتها الخاصة. فهل يوجد اختزال في المكونات الأساسية للوحة؟ أم أنها تُغني اللوحة بالألوان لبث المزيد من المؤثرات البصرية؟
يلعب اللون في أعمالها سمة الانتقائية التي تترصدها لفتح الفضاءات، مع التقارب بين ما هو طبيعي بصريًا وفق القاعدة التي تلتزم بها في الرسم، وبجغرافيا تتمايز من خلالها النقاط الأساسية في اللوحة، وإن كان ذلك بشكل مبطن، خاصة فيما يتعلق بالنمط اللوني الذي يمتلك عدة وجوه تخيليّة. وهو في الواقع ثابت وغير متحرك، كأنها تحقق بذلك رؤية تنظيمية للأشياء من حولها من خلال الفن، مع تطابق وتقارب بين الألوان الباردة والحارة، والخطوط دون تعقيد في فتح الفضاءات البصرية على بعضها البعض. كما تتمتع بمرونة في استخدام التضاد بين المساحات المختلفة، وما تخفيه الألوان من معاني طبيعية دفينة، خاصة بين الأحمر والأسود والأبيض والألوان المركبة الأخرى. هل من طمس في التعبير الطبيعي لرؤية تجردها من الحقائق بالرموز الفنية القادرة على خلق قاعدة من التناقضات بين فوق وتحت، وعريض ورفيع، وغير ذلك؟
لا تقتصر الألوان في لوحات الفنانة "ماري طرابلسي مارينييه" على طبقات لونية محددة في التدرجات والسماكة والشفافية، بل تتلاعب بالأحجام بين الأشكال لظهور الفروقات في الطبيعة التي تختارها، لخلق تناقضات تتناسب مع رؤيتها. وتندمج مع الانتقائية التي تنتهجها في لوحات تمثل المنشأ الأساسي لتقاطعاتها الفنية بين الاختزال في الخصائص الفنية، وبين الحركة الداخلية للرؤية نفسها. وكأنها تضع مخططات لأمكنة تغلفها برؤية تزينية قابلة للتأثر بالعوامل اللونية الموزعة بين ما هو أساسي حار، وبين ما هو تركيبي بارد. هذا ما يعكس حالة من الاختلافات في المعطيات اللونية التي ترتكز عليها، لتتوافق مع الطبيعة من حيث التقسيمات بين الأجزاء، وتتعارض معها بين ما هو كلي وضمن المحاور الفنية الملتزمة في كل صيغة تعزز من خلالها قدرتها على صقل الرؤية التشكيلية دون الإطاحة بانتقائيتها المجردة من الزخارف أو الفضفضة، بمعنى دون منح اللوحة زوائد لا حاجة لها بصريًا. فهل يمكن الخروج بمعادلة من لوحاتها؟ وهي معادلة الفضاءات البصرية المفتوحة انتقائيًا لتحقيق الفكرة باختصارات تعزز من خلالها غنى اللوحة ومرونتها، وحتى الصياغة الفنية؟
لعبت التناقضات الرياضية دورًا مهمًا في لوحاتها، خاصة فيما يتعلق بالألوان والأحجام المختلفة في تشكلاتها وأدوارها البصرية، بل واطوارها الضوئية بين الفراغات. وكأنها تبحث عن ما هو طبيعي في الفن، وبين طبيعية الألوان التي تتساوى في علاقاتها مع الضوء ضمن النسب الضوئية المؤثرة أو المتأثرة مع الأسود، مع تطوير بصري يكمن في القدرة على خلق معادلات استثنائية بين الأضداد، بشكل مباشر مع الاحتفاظ بالقدرة على فهم رؤية الداخل وحركته الصامتة. فهل الانتقائية في أعمال الفنانة "ماري طرابلسي مارينييه" هي أسلوب التنظيم الداخلي وانعكاساته على الرؤية الخارجية؟
برؤية أخرى
ماري طرابلسي مارينييه: تجسيد الألوان كفضاءات بصرية مفتوحة
ضحى عبدالرؤوف المل
تتميز الفنانة اللبنانية الفرنسية، "ماري طرابلسي مارينييه"، بإبداع لا يمكن تصنيفه ضمن إطار تقليدي أو معهود. لوحاتها لا تعكس مجرد محاكاة بصرية، بل هي مساحة تتنقل بين التجريد والمباشرة، حيث تصبح الألوان هي الأداة الرئيسية للتعبير عن أفكار مدهشة حول الفضاءات البشرية والطبيعية، متجاوزة حدود المعنى الظاهر. تسلط أعمالها الضوء على أهمية التباين اللوني كأداة للتعبير عن التوترات الداخلية بين الذات والطبيعة، وبين الجوانب المثالية والتجريبية في الفن. فهل التنوع اللوني هو أداة لتوسيع الحدود البصرية؟
التنوع اللوني هو أداة لتوسيع الحدود البصرية في لوحات ماري طرابلسي مارينييه، يظهر اللون ليس كعنصر ديكوري، بل كفعل فني يتجاوز مفهوم التعبير البصري المباشر. الألوان التي تستخدمها ليست فقط وسيلة لتحفيز العين، بل هي مكونات أساسية تتفاعل مع الفضاء داخل العمل الفني ذاته. لا تكمن البراعة في اختيارات الألوان فقط، بل في طريقة مزجها ودمجها لتشكل نسقًا بصريًا يفتح أمام المشاهد أفقًا من المعاني المتعددة. ففي كل لوحة، يتم خلق "فضاء مفتوح" لا يقتصر على بعدين ثابتين، بل يمتد إلى داخل العمل ليعكس طبقات من المعاني والرمزية.
ماري طرابلسي مارينييه تتلاعب بخفة بين الألوان الساخنة والباردة، وبين التباينات الواضحة والغامضة، لترسم فضاءات بصرية تغري العين بمتابعة التفاصيل الصغيرة والمتناقضة في الوقت ذاته. الألوان الزاهية، على الرغم من طابعها المبهج، تتفاعل في اللوحة بطريقة تعكس حالة من التوتر البصري بين الأجزاء المختلفة، مما يخلق إحساسًا بالحركة والاختلاف. هذا الاستخدام المبتكر للألوان يفتح بابًا للعديد من التأويلات البصرية، ويعزز فكرة أن العمل الفني لا يجب أن يكون ثابتًا بل قابلًا للتغيير والتطور في ذهن المتلقي. فماذا عن التنظيم الداخلي مقابل الفضاء الخارجي؟
ما يميز أسلوب ماري طرابلسي مارينييه هو تنظيمها الداخلي المحكم، الذي يظهر في كل جزء من العمل كجزء من منظومة أكبر، وهو ما يجعل لوحاتها أكثر من مجرد تجمع للألوان. كل عنصر في اللوحة له علاقة عضوية مع باقي العناصر، سواء من خلال الأشكال أو التباينات اللونية أو التوزيع المكاني. لكنها لا تتقيد بنمط ثابت أو تقليدي في تنظيم هذه العناصر، بل تبتكر تراكيب بصرية غير متوقعة، مما يخلق توازنًا هارمونيًا بين الفوضى النظامية والتسلسل الطبيعي.
يتجلى ذلك في الطريقة التي تمزج بها الفضاءات والتباينات في اللوحة، حيث تدمج بين الحواف الحادة والانعطافات الناعمة، بين الأشكال الهندسية والعضوية، وبين المساحات المفتوحة والضيقة. هذه التشكيلات لا تأتي فقط كأجزاء منفصلة، بل تتفاعل مع بعضها البعض لتسهم في بناء رؤية فنية شاملة تتيح للمشاهد استكشاف اللوحة من زوايا متعددة. فماذا عن البحث عن المعادلات اللونية؟
في لوحات ماري طرابلسي مارينييه، لا تقتصر العلاقة بين الضوء والظل على اللعب الكلاسيكي الذي نراه في الفن التقليدي، بل تصبح هذه العلاقة محورية في بناء اللوحة نفسها. الضوء في أعمالها ليس مجرد عنصر تجميلي، بل هو محرك حيوي يحدد الإيقاع البصري ويخلق تحولات لونية تثير الحواس. والظلال التي تبرز بشكل متقن تظهر بوضوح كيف أن النور والظلمة لا يشكلان تناقضًا، بل عنصرين مكملين يعكسان فلسفة فنية تؤمن بأن التباين هو ما يضفي الحياة على العمل.
تستند الفنانة في تشكيلاتها اللونية إلى فهم عميق للنسب الضوئية والظلية، حيث توازن بين الألوان المختلفة بمرونة تامة، مع احترام قوانين الضوء كما تراه العين، وأحيانًا تتجاوز ذلك لتسمح للخيال أن يملأ الفجوات المظلمة.
ما يثير الاهتمام في أعمال ماري طرابلسي مارينييه هو قدرتها على إثارة أسئلة فلسفية عميقة حول الفن والتعبير البصري. في كل لوحة، تدعو المشاهد للتفكير في العلاقة بين الشكل والمحتوى، بين الرمزية والواقعية، وبين ما هو مرئي وما هو غير مرئي. هل الألوان في لوحاتها مجرد وسيلة لتوسيع الفضاءات، أم هي أدوات لتكوين عوالم جديدة تتداخل فيها الحقيقة مع الخيال؟ هل النمط اللوني الذي تتبعه الفنانة يمثل عملية اختزال للفكرة، أم أنه يعزز من غنى اللوحة ويمنحها حياة؟
الجواب على هذه الأسئلة لا يأتي بسهولة، إذ إن لكل لوحة من لوحاتها متعة فكرية خاصة بها، كما أن كل طبقة لونية تحمل في طياتها بُعدًا فلسفيًا عميقًا يفتح أمام المشاهد مجالات متعددة من التأويل. إن العمل الفني عند ماري طرابلسي مارينييه لا يقف عند حدود التجربة البصرية، بل هو بمثابة دعوة للتفاعل مع الذات، ومع العوالم التي خلقها اللون.
في النهاية، تظل أعمال ماري طرابلسي مارينييه بمثابة دراسات فنية معقدة حول العلاقة بين اللون، الفضاء، والزمان. هي دعوة للاحتفاء بالتنوع، للتفاعل مع التناقضات والاختلافات التي يمكن أن تُخلق بين الأشكال والألوان. الفنانة لا تقدم حلولًا جاهزة، بل تفتح أمامنا آفاقًا جديدة لفهم الفن وعلاقته بالعالم الطبيعي والإنساني. إنها تخلق فضاءات بصرية مفتوحة تتيح للمشاهد أن يروي قصته الخاصة، بينما تبقى هي في موقع المبدعة التي تقودنا إلى مساحات غير مكتشفة من الفهم البصري.
تم نشره في جريدة اللواءعام 2020