الروائي شهيد لـ«اللواء»: «كل ما كتبته ما هو إلّا نوع من المناورة الوجودية في ظلّ هذا الواقع الذي نعيشه»
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
رواية "ناقص خمسة" للروائي شهيد هي محاولة لتفعيل وعي الطبقة الوسطى. بمعنى أن ما أراد تفكيكه في هذه الرواية هو الوعي الخاص بهذه الطبقة. هناك حقيقة لا بد من الاعتراف بها، وهي أن الطبقة الوسطى التي ندعي الانتماء إليها هي في مرحلة العجز التام في الوقت الحالي. في رواية "ناقص خمسة"، رسم الروائي دورًا نظريًا لما يمكن أن تقوم به تلك الطبقة، وأراد من ذلك تذكير من يدعي الانتماء إليها بأن هنالك شيئًا من "الإمكانية" ما يزال متاحًا، وأن كل تغيير على كافة الأصعدة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال "ممارسة وجودية" مهمة جدًا وهي "إعادة إنتاج الوعي"، وهذه الممارسة من اختصاص الطبقة الوسطى. فهل من جدليات فرضت نفسها في رواية "ناقص خمسة" أم أن للطبقة الوسطى همومها المختلفة من وجهة نظر الروائي شهيد؟ ومع الروائي شهيد أجرينا هذا الحوار.
روايتك ليست لتسلية القارئ، والروائي يعالج غالبًا المشكلات الاجتماعية والسياسية وغيرها. ما رأيك؟ من المؤكد أن البعد الوظيفي للرواية يمكن أن يتحدد بأكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى عنصر الإمتاع الذي يُعتبر من العناصر المهمة في نجاح الرواية، لا بد من الاهتمام بجانب آخر يتعلق بما يريد الكاتب أن يقوله ويوصله إلى القارئ من خلال روايته. لكل رواية رسالة، وكل كاتب له قصدية تظهر بياناتها كمحصلة نهائية في وعي المتلقي بعد إكماله لقراءة النص. كل كاتب يجب أن يكون له مشروعه الخاص. بالنسبة لي، فإن مشروعي الكتابي متعلق بالقيم. من خلال رواياتي، أحاول أن أساهم في تغيير وعي المتلقي من خلال إنتاج مفاهيم قيمية مضادة للمفاهيم القيمية الحاكمة للوعي العام. الرواية بالنسبة لي هي مشروع لصناعة الوعي، لذلك قيل إن رواياتي فيها الكثير من الأفكار والقليل من السرد.
- تحتل القصة العاطفية للسياسي مكانًا مهمًا في السرد. أين أنت من الرومانسية المرتبطة بالرواية السياسية؟ وما رأيك بذلك؟
عليَّ أن أعترف بأن رواياتي بعيدة عن الجانب الرومانسي. رغم جمالية ذلك الموضوع، إلا أنني لم أفتح له بابًا في أسوار نتاجي السردي. ربما ما زلنا منشغلين عن ذلك بهمومنا الوجودية الأكثر إلحاحًا.
"- ناقص خمسة" ودعم الشخصية التي تشكل جدليات في واقع أردت له أن ينكشف. هل أعتبر هذا تحريفًا روائيًا تتخفى من خلاله؟ ومتى يلجأ الروائي شهيد إلى "القطبة المخفية"؟
برأيي، أن الرواية لا تمثل جانب تخفٍ بالنسبة للكاتب، وإنما هي أحد الممارسات الوجودية التي "تمظهر" شخصيته، بحيث يمكن وضع قراءة لشخصية الكاتب من خلال تفكيك نتاجه السردي. الكتابة كأداة من أدوات الإنسان التي يعبر بها عن وجوده هي المرآة العاكسة لوعيه وتوجهاته الوجودية. بالنسبة لي، فإن رواياتي تمثل جزءًا كبيرًا من منظومتي المفاهيمية، وبواسطتها أسعى إلى إيصال الأفكار والمفاهيم الخاصة بي التي اعتقد أنها ستساهم في صناعة وعي جديد. وبالتالي، فإن كتابتي سيكون لها دور في تغيير الواقع. وأنا أعتبر أنني أكشف عن ذاتي من خلال الكتابة كعنصر وجودي يطمح أن يشغل حيزًا في هذا الفضاء المعرفي الواسع.
- قدمت في روايتك مناورات مخفية لمستقبل ستكرر فيه الحاضر الذي حاولت معالجته، وإن كان طوباويًا، ولكن ضمن المغزى الروائي المخفوق سياسيًا. تريد لروايتك هذه أن تولد مع الأجيال الجديدة، أي جيل 2035؟
أولًا، أريد أن أشير إلى أن كل ما كتبته ليس إلا نوعًا من المناورة الوجودية في ظل هذا الواقع الذي نعيشه. ليس أمام الفرد الذي يختار جانب المقاومة إلا اتباع السلوكيات المناورة، ومنها الكتابة. من خلال "ناقص خمسة"، أردت مقاومة طبقة تحمل كل ما يتضمنه القاموس من مفردات السوء. في الرواية قدمت مقترحًا لواقع افتراضي، ربما يعتبر مأزقًا ليس للطبقة السياسية فقط، وإنما لطبقة الشعب أيضًا. التغيير الذي نحلم به لا يمكن أن يدخل في دائرة التحقق وفق الاشتراطات الواجب تنفيذها من طرف الطبقة السياسية فقط، وإنما يجب إنجاز ما يتعلق بالطرف الأكثر فاعلية في المعادلة، وهو الشعب. الاشتراط المتعلق بالشعب والمطروح في "ناقص خمسة" كان في غاية الحساسية لأنه يتطلب ممارسات تعتمد على تجاوز الوعي السائد والانتقال إلى وعي آخر أكثر تطورًا.
- لماذا تغيب الروايات العربية الحديثة عن الدراما، والعراق يمتلك من الروايات المهمة الكثير؟
فيما يتعلق بغياب الرواية العراقية عن الدراما، لا بد من الإشارة أولًا إلى أن الحركة التشغيلية للإنتاج الدرامي في العراق بطيئة جدًا ولا تواكب ما هو موجود في العالم. هذا التأخر المشخص انعكس تلقائيًا على فرضية استفادة الدراما من المادة الروائية القابلة للتحويل من مادة مقروءة إلى مادة مرئية.
- لو وضعت أمامك روايات عراقية، ماذا تختار من العناوين؟
وأي الكتاب العرب تحتفظ بكتاباتهم؟ بالنسبة لي، وفي بداية تكوين وعيي السردي، حاولت الاطلاع على أكبر قدر ممكن من النماذج والتجارب السردية. قرأت لأغلب الروائيين وكتاب القصة العراقيين والعرب. فكانت قائمة الأسماء طويلة جدًا، وكل من قرأت لهم استفدت من تجاربهم الكتابية.
- من هو الروائي شهيد؟
التعريف بالنفس أصعب مأزق يواجهه الإنسان. قبل فترة، تمكنت من أن أضع لنفسي بطاقة شخصية وتجرأت على نشرها وكانت كالآتي:
الاسم: شهيد فقط، تضامنًا مع اللقطاء.
المواليد: لا أعرف اليوم الذي وُلدت فيه، وهذا من حسن حظي. من حسن حظي أيضًا أن أهلي اختاروا لي تاريخ 1/1، وهو نفس اليوم الذي وُلد فيه النبي الذي صرخ قبل وفاته: "إلهي إلهي، لماذا تخليت عني؟"
الديانة: قبل أن يبلغ عمري نصف قرن بعشر سنوات، أدركت أني كافر بكل دين إلهه يحرض على القتل.
المهنة: فلاّح في حديقة القيم.
الحالة الاجتماعية: غير متزوج، ولكنني أنجبت أربع حماقات.
بلد الإقامة: أي بلد ينقطع فيه التيار الكهربائي هو بلدي.
الهواية: اللعب مع الكبار.
الأكلة المفضلة: عندما أكون جائعًا، ستكون إجابتي أكثر دقة.
الأمنيات: سأرتب أمنياتي تصاعديًا:
أتمنى أن أعود لمرحلة الطفولة لكي أعيد ترتيب أحلامي من جديد.
أتمنى أن يقوم ابني بتربيتي.
أتمنى أن أحكم البلد ليوم واحد لأقوم بمعاقبة الأوغاد الذين يمشون على رون سايد.
أتمنى أن أخرج إلى الشارع فأجد أصحاب الصور الكبيرة قد رفعوا صورهم المخيفة، ووضعوا بدلًا منها كلمة اعتذار.
أتمنى أن يتم تغيير اسم بلدي، وأن يكون له اسم أنثوي.
أتمنى أن لا أصل إلى مرحلة أرذل العمر.
أتمنى أن أموت في يوم ممطر.
بعد موتي، أتمنى أن لا أدفن في مقبرة طائفية.
في تقييم للحوار الذي أجريته معه نشعر أن الروائي شهيد يحمل في طياته عمقًا فكريًا ونقديًا يتجاوز مجرد التسلية أو الطرح الأدبي التقليدي. من خلال سطور الحوار، يتضح أن شهيد لا يكتفي بالكتابة فقط كوسيلة للسرد أو للإمتاع، بل يتخذ منها منصة لمساءلة الواقع، وللتحريض على إعادة التفكير في المسائل الاجتماعية والسياسية الوجودية التي تواجهه ويمثلها بوضوح من خلال روايته "ناقص خمسة". يطرح شهيد مفهوماً عميقاً للكتابة باعتبارها أداة "مناورة وجودية"، تسعى لمقاومة الواقع وليس مجرد انعكاس له، وهو بذلك يرفض التقليدية في الأدب وينزع إلى الانخراط في حوار مباشر مع القضايا المجتمعية.
ما يميز شهيد في حديثه هو التوجه النقدي الذي يسعى من خلاله إلى تغيير وعي الطبقة الوسطى، التي يراها في مرحلة "العجز التام". وهو هنا يتبنى وجهة نظر متشائمة، لكنه في الوقت نفسه يُظهِر إيمانًا بإمكانية التغيير عبر "إعادة إنتاج الوعي". هذا الفهم يتجاوز الأدب إلى كونه أداة فعّالة للتحول الاجتماعي، ليؤكد بذلك على ضرورة أن يكون الكاتب جزءًا من التغيير في مجتمعه من خلال سرده لواقع جديد، حتى وإن كان هذا الواقع طوباويًا أو غير قابل للتحقيق في اللحظة الراهنة. إذن، الكتابة بالنسبة له ليست مجرد نقل للواقع، بل هي فعل مقاومة ورفض.
عند حديثه عن غياب الرومانسية في أدبه، يُظهِر شهيد توجّهًا عقلانيًا يهتم بمشكلات أكثر إلحاحًا من العواطف. يمكن فهم هذا التوجه كنوع من النضج الفكري، حيث يتجاوز الكاتب المسائل السطحية لصالح الغوص في هموم وجودية، تتعلق بالتغيير المجتمعي العميق الذي لا يتوقف عند المظاهر العاطفية التي تُحتكر في الأدب الكلاسيكي.
من جهة أخرى، عندما يناقش غياب الروايات العراقية عن الدراما، يُبرز شهيد النقد الاجتماعي والإنتاجي للواقع العراقي، حيث يشير إلى التأخر في صناعة الدراما، ويكشف بذلك عن خلل هيكلي في ساحة الإنتاج الثقافي العراقي. في هذا السياق، يربط بين تراجع الدراما وتخلف الإنتاج، ما يعكس قلة التأثير الأدبي على السياقات المرئية الموازية في الثقافة الشعبية.
إن اهتمامه بتقديم نفسه بشكل غير تقليدي في نهاية الحوار، يعكس فلسفته في الحياة بشكل أكثر وضوحًا. هو لا يريد أن يكون مجرد كاتب مُعترف به في إطار تقليدي، بل يسعى لأن يكون جزءًا من القيم التي يسعى إلى تفكيكها وإعادة بنائها. تعبيره عن نفسه وكأنه "لقطاء" أو "فلاح في حديقة القيم" هو في حد ذاته نقد للواقع الاجتماعي والسياسي الذي يدعي الجميع الانتساب إليه، بينما في الواقع هم بعيدون عن جوهر القيم الحقيقية.
بالمجمل، يمكننا القول أن شهيد ليس مجرد روائي، بل هو مفكر اجتماعي وفيلسوف اجتماعي عميق. فكتبه ليست مجرد أعمال فنية، بل هي مشاريع فكرية وثقافية تهدف إلى خلق وعي جديد، ومعالجة القضايا الإنسانية والاجتماعية بطرق غير تقليدية.
نُشر الحوار في جريدة الصباح ومن ثم في جريدة اللواء لبنان
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%AF-%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D9%83%D9%84-%D9%85%D8%A7-%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%AA%D9%87-%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%88-%D8%A5%D9%84-%D8%A7-%D9%86%D9%88%D8%B9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D9%84-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D9%86%D8%B9%D9%8A%D8%B4%D9%87/