الشبح الروائي في المسلسل الفرنسي "الفراشات السوداء"

ضحى عبدالرؤوف المل

تنعكس فكرة الشبق الإبداعي التخيلي في كتابة مذكرات هي بحد ذاتها تمثل قوة الكتابة في الأدب الروائي والحقيقة ذات الأبعاد السردية المختلفة في مسلسل "الفراشات السوداء" (Les Papillons noires) من خلال الاعترافات كشاهد على قوة وعي الكاتب في تتبع حياة الشخص الذي يروي هذه المذكرات بمصداقية يدعي أنها الحقيقة، مع مراعاة ما تقتضيه الاختلافات في بنية الرواية التي يسعى لكتابتها الشبح الروائي الذي يُدعى مودي. ويُضاف فيما بعد معرفة أبعد من حياته وإرثه وفق ما تقتضيه معرفة الحقيقة كاملة من أمه التي تقلب المقاييس الروائية رأسًا على عقب عندما تنقلب رؤية الأبطال الذين يحاربون بعضهم بعضًا للحفاظ على أواصر العائلة المتوارثة من الأب القاتل المتسلسل إلى الابن، وهو الكاتب الذي يقع تحت براثن القتل أيضًا. فالابن المولود الذي تريد حمايته الأم المهتمة بعلم التخلق ربما يختلف عن أبيه، لكن من المؤكد أن جينات الأم ليست كجينات جدته. إذ يحاول الكاتب التركيز على السرد بغض النظر عن التحليل الأساسي والتكويني للقصة للتعبير عن الراوي الذي يريد خلق شخصية توازي علم التخلق الذي تسعى له زوجة الابن البعيدة كل البعد عن فن الكتابة، الذي يُحدث الكثير من الفروقات في الأحداث وتغيراتها ما بين الخيال والحقيقة أو ما بين ما تم استحداثه في اللحظات الأخيرة من القصة الحقيقية التي يرويها الأب. ليكشف لابنه الكاتب الشبح أو الكاتب الذي يهتم بأدب السيرة الذاتية متنقلاً من شخصية لأخرى من خلال اعترافاته التي يريد أن يحتفظ بها في رواية كإرث له. إلا أننا مهما حاولنا اكتشاف الحقائق في الأدب الروائي أو السردي تنسدل الستارة على الكذب أو على قدرة الخلق والانغماس في الخيال. فمسارات الأحداث لقاتل متسلسل تجعل القارئ أو المشاهد يتساءل: هل يحاول الكاتب تحريض التساؤلات النفسية التي يعاني منها لاكتشاف حقائق شخصياته كما ينبغي؟ وهل المحاكاة في أدب الاعترافات هي سمة من سمات فاعلية ضمير المتكلم؟ أم أن الكاتب أراد أن يجعل من الرواية شهادة على حالة معينة، وهي إبراز علم التخلق؟ أم أن كسر التابوهات الإجرامية عند الكاتب يحتاج لشجاعة بعيدة عن التردد للدخول في المقموع والمنهي عنه؟ وهل تصبح الاعترافات شاهدًا على الجرائم أم أن التقادم يُسقط العقاب وكل ذلك يصبح الإرث فعلًا هو رواية؟

يفترض الكاتب حقيقة فعلية يكتبها أمامنا لنصدق تمامًا رواية الأب التي تشترك مع أحاسيس الابن الذي بدأ يعاني من تقلبات مزاجية لم يكتشفها في نفسه من قبل حتى وهو يمارس فن الملاكمة للتخفيف من حدة الاضطرابات التي كان يعاني منها. لنشهد على معاناة الكاتب عند كتابة روايته عندما يقع في حالة من التذبذب ما بين التخيل والحقيقة، حيث تشكل كل شخصية نوعًا من التفرد أو انبثاقًا ذاتيًا هو إعادة تكوين قصصي من منظور شخصي للكاتب وقدرته على لمس الحقائق المنطقية المشعة بحساسية الكاتب والذكاء المرتبط بالوعي في قدرته على بناء الصور، بما يتناسب مع الترتيب الزمني الذي تحدث عنه الأب أو المعترف بمسيرة حياته التي استطاع فيها الإفلات بجرائمه المتسلسلة، والتي تبدو مرتبة مع الأحداث المرتبطة بقوة الحب لامرأة استطاعت قلب حياته رأسًا على عقب. فهل الشخصيات الروائية تندمج فعليًا مع الراوي لتشكل تحولات وتداخلات خطيرة في حياته؟ أم أن الذكريات لهذا المجرم المتسلسل تثير رغبات الرعب والحب معًا في نفس كاتب الاعترافات الذي يقلب الموازين الكتابية في اللحظات الأخيرة من المسلسل؟

تتلخص الفكرة في الرجل العجوز الذي يريد جعل إرث حياته مذكرات يحولها كاتب يستدعيه إلى رواية. لذلك يستأجر كاتبًا معروفًا ليعترف له بقصة حب تقوده إلى سلسلة من الجرائم أدت إلى اكتشافات مذهلة وصادمة. لكاتب يتتبع فعليًا الأحداث الحقيقية، ليجعل منها رواية تجذب القارئ وتضعه ضمن حقيقة غير متخيلة مبنية على قوة السرد الفعلية التي تتمثل بما يكتشفه فيما بعد عن والدته فينصدم ويصدمنا معه. إلا أنه هذه المرة وقع ضحية شخصياته التي خرجت إلى الحقيقة دون إحساس منه بالمخاطر التي تؤدي إلى هلاكه، وفق بنية الحقيقة والخيال والخيط السردي الفاعل في بنية الرواية ومصداقيتها أو الأحرى تداخل الخيال مع الحقيقة التي تتلاشى كليًا عندما نبدأ بالغوص مع "أدريان" وهو الممثل "نيكولاس دوفوتشيل" الابن الحقيقي لقاتل متسلسل حاول أن لا ينجب الأطفال لأنه لا يريد أن يبقي أي صلة له في الحياة بعد رحيله سوى روايته أو ذكرياته. لكنه يفاجأ بالمرأة التي قتل من أجلها الكثير من الأشخاص، والتي استطاعت الهروب منه لتمارس أمومتها بعيدًا عنه. فهل التقلبات المزاجية للشخصيات في الحقيقة تتغاير عن ما يكتبه الروائي؟ وهل التنبؤ الروائي بالنهايات هو إلهام لا يعني أن كيفية الأحداث هي معادلة لعلم التخلق الفعلي المرتبط بجوهر الشخصيات؟ وهل يحتاج الكاتب لفهم علم التخلق جيدًا قبل البدء بالكتابة؟ أم أن التحديث والترتيب الزمني لا ينفصم عن قوة الأقدار وتغيراتها التي تربط البشرية ببعضها البعض كما الفراشات السوداء التي أصبحت رواية فيما بعد؟

في تحليل للمقال

المقال يطرح تحليلًا عميقًا لمسلسل "الفراشات السوداء" من خلال التركيز على مفهوم "الشبح الروائي" وكيفية تداخل الحقيقة مع الخيال في سرد الأحداث.

أولًا، انطلقت من فكرة معقدة ومثيرة حول الكتابة الروائية باعتبارها مزيجًا من الحقيقة والخيال، ويظهر ذلك في شخصية الراوي الذي هو الكاتب نفسه (المعروف باسم "مودي")، والذي يسعى لكتابة مذكرات تعكس سيرة قاتل متسلسل. هذا المزيج بين السيرة الذاتية والخيال يجعل من الرواية عملية تتداخل فيها الأبعاد الزمنية والنفسية، مما يؤدي إلى تصعيد الصراع بين الحقيقة والتخيل. لكن التحدي الأكبر الذي يواجهه الكاتب هو التساؤل حول مصداقية الأحداث السردية، هل هي حقًا محض خيال أم أنها تشكيلة من الذكريات الملتبسة؟

إحدى القضايا البارزة التي ناقشتها في هذا المقال هي محاكاة الشخصيات للواقع النفسي والتاريخي، حيث يظهر الكاتب محاولة لتقديم شخصيات معقدة نفسياً، مثل الابن "أدريان" الذي يبدأ في مواجهة تقلبات مزاجية غريبة تتقاطع مع مسار الأحداث. يتحول هذا الصراع الداخلي إلى نوع من الاستكشاف لآلية التخلق البشري، وعلاقة الجينات بالتاريخ الأسري، ومدى تأثير البيئة المحيطة في تشكيل الشخصية.

تطرقت كذلك إلى عنصر "الاعترافات" التي يستخدمها الكاتب كأداة لتشكيل سردية مترابطة وموثوقة، غير أن هذه الاعترافات تشوبها الشكوك عندما يتم كشف أبعاد الحقيقة من خلال وجهات نظر الشخصيات الأخرى. السؤال هنا هو ما إذا كانت هذه الاعترافات هي بمثابة شهادة على الجرائم أم أنها مجرد "إرث" أدبي؟ كما ناقشت في هذا المقال مدى تأثير "الضمير" في الراوي وحقيقة دوافعه في السرد: هل هو محض محاولة لتفسير صراعاته الشخصية، أم أنه يخلق واقعًا موازٍ بمثابة منبع للسرد ذاته؟

من ناحية أخرى، يبدو أن المسلسل يطرح سؤالًا فلسفيًا يتعلق بمدى القدرة على الفصل بين الخيال والحقيقة في الكتابة الأدبية. يسعى الكاتب في المسلسل، كما في المقال، إلى توجيه القارئ نحو فهم أعمق للحياة البشرية من خلال خلط هذه العناصر بطريقة تبعث على التساؤل، حول القدرة على "إعادة خلق" الواقع من خلال الأدب. هذه القدرة على الانغماس في التاريخ الشخصي، والتشبع به، تجعل من الشخصيات أكثر واقعية أو بالأحرى أكثر تأثراً بجوهرهم الداخلي الذي قد يظل مجهولًا حتى في حال اعترافاتهم.

وفي النهاية، يقدم المقال تساؤلات مثيرة حول مفهوم "الشبح الروائي" وعلاقته بالذاكرة، وبإرث الكاتب الذي يسعى لخلق حكاية معقدة. هل هو يرغب فقط في تسليط الضوء على صراعاته النفسية؟ أم أنه يحاول تقديم واقع غير قابل للتجزئة بين الحقيقة والخيال؟ فالمقال ينتهي بتأكيد أن الرواية ليست مجرد سرد للأحداث بقدر ما هي رحلة في عمق النفس البشرية، وتكشف عن تداخلات عميقة بين الماضي والحاضر. فالمقال يقدم تحليلاً غنيًا ومشوقًا للمسلسل، مشيرًا إلى الأبعاد السردية والنفسية التي لا تنفصل عن الواقع المعاش، وجعل من "الفراشات السوداء" رواية تعكس ببراعة قدرة الأدب على تحويل الأدلة المراوغة إلى حقيقة قاسية.

المقال تم نشره في جريدة الصباح

Doha El Mol