كتاب "الرحالة الأندلسيون

كولومبوس واكتشاف أميركا" هو اكتشاف لجذورنا العربية والإسلامية.

ضحى عبدالرؤوف المل

تفاجئنا الدكتورة "ناديا ظافر شعبان" في كتابها الصادر عن "دار البلاد" بعنوان "الرحالة الأندلسيون كولومبوس واكتشاف أميركا اللاتينية" بالبحث المغمور باستنتاجات منطقية من شأنها أن تثير اهتمام كل باحث بالمعلومات التاريخية الخاصة بهذا الرحالة الذي أعاد اكتشاف أميركا، ولكن لم يكتشفها أولاً تبعًا للكثير من المراجع والخرائط والتواريخ والشواهد من "معلومات تاريخية كثيرة مغلوطة توسع آفاق البحث في موضوع يبقى الكثير ليقال فيه، وتثبت أن كريستوفر كولومبوس ليس وحده بطل اكتشاف العالم الجديد". فما تناولته في البداية من الاستيلاء على القسطنطينية وسقوط غرناطة كان المدخل الذي منح القارئ التمهيد الفكري المبني على معرفة كيفية إعادة اكتشاف العالم الجديد وأهميته، بالتوازي مع ما دوّنه البحار الجنوي في مذكراته وصولًا إلى غازي المكسيك، وتلك "الأرض المجهولة والبلا اسم والموجودة في خريطة العالم المسعودية وحسب، وإنما نقلوا إليها أيضًا وجذروا فيها ثقافتهم الإسلامية، التي أصبحت سمة من سمات مجتمعها الهندي الإسلامي". فالكتاب يحمل طابع البحث المجهري المتسلسل منطقيًا، والمؤثر في الإقناع التحفيزي الذي يدفع القارئ إلى الإبحار في أعماقه صفحة بعد صفحة دون ملل من البحث التاريخي الذي يعيد اكتشاف المغلوط ويصححه وفق رؤية توازنت فيها الحقائق التي تتضح من خلالها شخصية أميرال البحر، ونائب الملك، وحاكم الأراضي التي اكتشفها، كما اكتشفنا تفاصيل سمات مؤثرة من ثقافتنا الإسلامية الموريسكية. فهل فعلاً كولومبوس لم يكتشف شيئًا؟

تمارس الدكتورة "ناديا ظافر شعبان" وظيفتها الفكرية في طرح الإثباتات العلمية والجغرافية من خلال الخرائط والثوابت في تواريخ ما قبل وما بعد، بحيث "تكفي للدلالة على أن البحارة المسلمين ومنذ أواخر القرن التاسع عشر قد وصلوا قبل كولومبوس إلى القارة الأميركية"، وبالتزام موضوعي يوضح الرأي والرأي الآخر من أجل تحسين البحث الواسع الرؤى الذي قدمته في كتابها بخطوات لم تمارس فيها ذاتيتها، بل! بقناعة ومسؤولية جعلتها تتمسك بالمراجع وتأويلاتها وشروحاتها ذات الفوائد الجمالية أيضًا، أي تلك التي من شأنها تجميل المادة التاريخية الجامدة. إذ تثير بالتسلسل المنطقي ذهنية القارئ، فيكثر من التساؤلات بصمت، ليجد الأجوبة في الصفحات اللاحقة، وكأنها تجيب عن أسئلة القارئ أو تحاوره ذهنيًا من خلال الأدلة اليقينية التي تستحضرها من كتب التاريخ نفسها، لهذا الرحالة الذي أعاد اكتشاف أميركا أو ما سُمي بالعالم الجديد. وبهذا تعكس اتجاهات بحثها نحو جزء مهم من تاريخ الموريسكيين أو المسلمين ووجودهم في هذا العالم المكتشف، وهو بحد ذاته "مأثرة عظيمة". ومن بين إيجابياته أن تحقيقها أتاح انتقال الثقافة الإسلامية الموريسكية إلى العالم الجديد الذي تجذرت فيه أهم سماته، وأصبحت جزءًا من مجتمعات جنوب أميركا اللاتينية. فهل أنتج بحثها تكوينات تاريخية جديدة ترتبط بدراسات التجربة الأندلسية المهمة؟

إن هذه الدراسة المتينة في كتاب الدكتورة "ناديا ظافر شعبان" ليست المستودع للمراجع والاقتباسات، إنما هي التحليل التوثيقي والتوجيهي من حيث خصوصيته وتفرده بالمعطيات الناتجة عن معادلات بحثية! أو بالأحرى معادلات منطقية من خلال العودة إلى التواريخ من وجهات نظر مختلفة، لأن الصراع "في أواخر القرن السادس عشر، كانت إسبانيا تخشى من تحالف الموريسكيين والفرنسيين ضدها، وقد ظل الوجود الموريسكي في أراضيها، وخاصة في أراغون، يشكل خطرًا حقيقيًا على الإمبراطورية التي بدأت تنهار". فقرار طرد الملك فيليب للموريسكيين أنساه "أن بقاء العادات والتقاليد الموريسكية يشكل غنى ثقافيًا مناطقيًا يثري التراث الإسباني". مكتفية الدكتورة "ناديا ظافر شعبان" "بصورة واضحة ومختصرة لما كانت عليه أوضاع الجماعة، قبل وبعد سقوط مملكة غرناطة". فالطريقة التاريخية في كتابها هي لتشكيل إعادة اكتشاف الحقائق وتصحيحها تبعًا للأبحاث، لتحديد الحقائق التاريخية المرتبطة بالرحالة الأندلسيين كولومبوس واكتشاف أميركا اللاتينية، وتجميعها في وعاء فكري يبدو للوهلة الأولى أنه لفئة معينة من الأحداث التاريخية مجتمعة. إلا أن الدكتورة ناديا درستها بطريقة علمية تاريخية تتناسب مع طبيعة المراجع والأبحاث التي جمعت منها الأرض الصلبة التي زرعتها بأفكارها التحليلية، وكأنها ترسم الطريق لإعادة اكتشاف حقائق الماضي، وتطورات ثانوية نشأت من إعادة اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد، وهي المدجنون والموريسكيون من أوائل المهاجرين إلى أميركا، وتأثير الثقافة الإسلامية في أميركا اللاتينية. وهذا يعتبر جديدًا وهامًا "في مجال الأبحاث الحالية فهو يبقى غيضًا من فيض على اعتبار أن الدراسات حول موضوع هذا التأثير ما زالت في بدايتها في إسبانيا وأميركا اللاتينية وأوروبا". وحسب ما يقرأه القارئ من استنتاجات عن لغات وعادات وظواهر ثقافية ودينية وتحديدًا إسلامية، فإنها تميل إلى خلق المفاهيم المتميزة لمادة الأبحاث التاريخية الجادة وقدرتها على تحديث الأبحاث وتنظيمها وفق الرؤية الاتساعية لعلم التاريخ الذي وضعتنا أمامه الدكتورة "ناديا ظافر شعبان" بمهارة فكرية تدفعنا من خلالها للارتباط أكثر بجذورنا العربية والإسلامية. فهل كتاب "الرحالة الأندلسيون: كولومبوس واكتشاف أميركا" هو اكتشاف لجذورنا العربية والإسلامية؟

المقال تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2018

وفي قراءة أخرى للكتاب عدت فكتبت مرة أخرى عنه

اكتشافاتنا الضائعة في أمواج التاريخ

كتاب الرحالة الأندلسيون

عندما نتناول موضوع اكتشاف أميركا، فإن ما يبرز بشكل تلقائي هو اسم كريستوفر كولومبوس. الرجل الذي لطالما اعتُبر بطلًا في تاريخ البشرية، إلا أن هناك حقائق مخفية في طيات الزمن تشير إلى أن العالم لم يكن جاهلاً تمامًا بالأراضي الجديدة قبل وصول كولومبوس. هذه الحقائق تكشف عن أبعاد تاريخية ومعرفية غنية، تكاد تُنسى أو تُتجاهل عمدًا. كتاب "الرحالة الأندلسيون كولومبوس واكتشاف أميركا اللاتينية" للدكتورة "ناديا ظافر شعبان" يقدم رؤية غير تقليدية، تشكك في الراوي التقليدي لهذه القصة وتفتح آفاقًا جديدة للبحث التاريخي.

في هذه الدراسة المثيرة، تطرح "شعبان" أفكارًا مثيرة للدهشة حول الدور الذي قد يكون للمسلمين الأندلسيين في الاكتشافات الجغرافية التي تسبق كولومبوس. انطلاقًا من الأدلة التاريخية والجغرافية، ومرورًا بالخرائط القديمة التي كانت تسجل رحلات البحارة المسلمين في المحيط الأطلسي، يمكننا أن نرى صورة تاريخية مختلفة عما اعتدنا عليه. فالعديد من المراجع تشير إلى أن المسلمين قد وصلوا إلى القارة الأمريكية قبل أكثر من خمسة قرون من كولومبوس، وأن تلك الرحلات لم تكن فقط بهدف الاستكشاف، بل كانت مفعمة بالتفاعل الثقافي والعلمي الذي كان له أثر بعيد المدى على ثقافات العالم الجديد. فهل من إعادة قراءة للتاريخ في هذا الكتاب؟

التاريخ ليس مجرد سرد جاف للأحداث، بل هو عملية ديناميكية ومتجددة. وفي هذا السياق، يأخذنا كتاب الدكتورة "ناديا ظافر شعبان" إلى نقطة تحول حاسمة في تصوراتنا عن تاريخ الاكتشافات الجغرافية. بعيدًا عن الهالة التي تحيط بشخصية كولومبوس كـ "مكتشف العالم الجديد"، يفتح الكتاب نافذة لرؤية أوسع وأكثر تعقيدًا، حيث كانت الأراضي التي اكتشفها كولومبوس قد عرفها آخرون من قبل. فالمسلمون الأندلسيون، الذين طردوا من الأندلس بعد سقوط غرناطة، كان لهم دور في نقل المعرفة البحرية والتقنيات الجغرافية التي ساعدت في اكتشافات كبيرة. الدكتورة "شعبان" تسلط الضوء على هذه الحقيقة بجرأة، مستعرضة الأدلة التاريخية التي تؤكد أن المسلمين قد وصلوا إلى تلك الأرض قبل أن يكتشفها كولومبوس.

ليس هذا فحسب، بل يتضح من خلال الكتاب أن الرحالة الأندلسيين كانوا من الأوائل الذين سجلوا وجودهم في تلك الأراضي من خلال الخرائط التي كانت تُنقل إلى العالم الإسلامي. وفقًا لهذه الخرائط، كانت هناك إشارات واضحة إلى وجود أراضٍ مجهولة في المحيط الأطلسي، مما يثير تساؤلات عميقة حول مصداقية السرد التقليدي الذي يعزو الفضل في اكتشاف العالم الجديد إلى كولومبوس وحده. فهل تكلل الكتاب بالمنهجية العلمية والتوثيقية؟

لا تقتصر أهمية الكتاب على كونه يشكك في التاريخ المشترك للعالم الغربي والإسلامي فحسب، بل هو دراسة علمية جادة تقوم على أسس متينة من البحث والتحليل المنهجي. الدكتورة "شعبان" لا تكتفي بالاستناد إلى سرد التاريخ التقليدي، بل تتعمق في إعادة قراءة الوثائق التاريخية، والخريطة الجغرافية القديمة، والمصادر الإسلامية التي قد تكون قد اختفت من الذاكرة العامة.

ما يميز هذا الكتاب أيضًا هو قدرته على المزج بين التحليل التاريخي والبحث الجغرافي، مما يعيد بناء أفق معرفي مفقود، ويبرز دور البحارة المسلمين في ارتياد البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي. في الوقت الذي كانت فيه أوروبا في خضم الصراعات الداخلية والتوسع الاستعماري، كان المسلمون قد طوروا تقنيات بحرية متقدمة، وجغرافيا دقيقة تساعد في فهم ما وراء المحيطات. هذه المعرفة كانت نواة لثقافة بحرية إسلامية مُعترف بها في عصرها. فهل من ثقافة بحرية وموريسكية غائبة؟

لكن ما لا يمكن إغفاله هو البعد الثقافي الذي حملته هذه الاكتشافات. إذ أن الثقافة الإسلامية والموريسكية لم تكن مجرد فكرة دخيلة على العالم الجديد، بل كانت بذرة تجذرت في الأرض التي اكتشفها كولومبوس. فمن خلال هذه الرحلات، حمل الموريسكيون الذين جُلبوا إلى العالم الجديد بعضًا من سمات ثقافتهم الإسلامية التي تركت بصمتها في المجتمعات اللاتينية. من التأثيرات اللغوية، إلى التأثيرات الثقافية والدينية، نجد أن ما كان يُنظر إليه على أنه "ماضٍ غريب" بالنسبة للعالم الجديد أصبح جزءًا من نسيج ثقافاته.

التاريخ الذي تقدمه الدكتورة "شعبان" ليس مجرد استعراض للوقائع، بل هو دعوة لإعادة التفكير في تصوراتنا الثقافية، والاعتراف بالأثر الكبير الذي تركته ثقافات متعددة على تشكيل هوية المجتمعات الجديدة في أميركا اللاتينية. من خلال الدراسة، يصبح من الواضح أن الثقافة الإسلامية لم تختفِ كما يعتقد البعض، بل تجذرت وأثرت في أجيال من السكان في العالم الجديد.

إن قراءة كتاب "الرحالة الأندلسيون: كولومبوس واكتشاف أميركا اللاتينية" هي بمثابة رحلة فكرية في عمق تاريخ اكتشافاتنا الضائعة. هي دعوة لإعادة قراءة ماضينا المفقود في صفحات كتب التاريخ، وفهم حقيقة أن كثيرًا من ما اعتقدناه ثابتًا، ما هو إلا وجه واحد من عملة تاريخية متعددة الوجوه. إذا كان كولومبوس قد فتح الطريق إلى أميركا في ذاك الزمان، فإن الموريسكيين الذين سبقوه ربما كانوا قد فتحوا لنا أبوابًا من المعرفة قديمة، لكنها حية في إرثنا الثقافي والجغرافي.

إذن، هل كان "كولومبوس" حقًا من اكتشف أميركا؟ أم أننا، في الحقيقة، نعيد اكتشاف أنفسنا من خلال محيطات التاريخ؟

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%86%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A7-%D8%B8%D8%A7%D9%81%D8%B1-%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D8%B6%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AC%D8%B0%D9%88%D8%B1%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9/