أحمد فضيض للصباح: "الصفحات الأخيرة من هذه الرواية كان هو الشاهد الخالد على تباين العالمين، عالم العرب وعالم اليهود"

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

في كلمة الغلاف الخلفي لرواية "صباح الخير يا يافا" الصادرة عن دار الرافدين، نقرأ هذه الكلمات: "كانوا يستطيعون سلبهم كل شيء إلا ما كان بينهم والبحر.."، فالبحر باقٍ على حاله مهما أُريد به، والبحر هو العائق الطبيعي ضد زحف موجة التهويد؛ إذ إنه لا يقبل إلا أن يظلّ على طبيعته الأولى نقيًا من كل تدخّل بشريّ. والبحر في الصفحات الأخيرة من هذه الرواية كان هو الشاهد الخالد على تباين العالمين، عالم العرب وعالم اليهود، دون أن يناله هو نفسه شيء من طبيعة الصراع القائم بينهما. وعلى طول الصفحات كانت علاقة فلسطينيي الداخل بالبحر أكثر خصبًا وتواصلاً وتغلغلاً من علاقة الآخر به. لقد كان البحر صاحبهم الوفيّ. ومع كاتب رواية "صباح الخير يا يافا"، الروائي "أحمد فضيض"، أجرينا هذا الحوار:

- لا مكان، ربما في العالم، يشبه هذا الملهى الصغير. ما الذي تقصده هنا؟ هل نحتاج لعالم يُبنى فيه على المساواة وقبول كل شيء؟

المثير أن لهذا الملهى الصغير وجودًا حقيقيًا في يافا، وكان يُعدّ، بفلسفة ترحيبه بجميع الهويّات القومية والجنسية وجمعه بين موسيقى العرب واليهود، رمزًا مشهودًا لنجاح فكرة التعايش داخل إسرائيل. وكان أصحابه المختلطون يفتخرون بذوبان الفوارق بين الجميع داخل حدوده الصغيرة دون أن يشعر المرء بأن هويّته مهدّدة، سواء كان يهوديًا أو عربيًا أو مثليَّ الجنس أو مستقيم الميول. وقال أحدهم مرة إن هذا الملهى حفّز شباب اليهود خاصّة لتحقيق واحد من أحلام خيالاتهم الرومانسية في التعايش، في العودة إلى منزلهم والقول إنهم كانوا مع بعض من أصدقائهم العرب! غير أن هذا الملهى الفريد من نوعه في هذه البلاد لم يستطع أن يستمرّ طويلاً، رغم موجة الدعاية العالية التي صاحبت إنشائه. فقد مكث ثماني سنوات يقوم بدوره قبل أن يغلق أبوابه فجأة في إعلان درامي قدّمه لروّاده الدائمين. لقد فشل في الاستمرار دون سابق إنذار، ولفظَه الحيُّ الأرستقراطي اليهودي الذي كان يحتويه، واشتكى منه جيرانه، وتعقّدت مشاكله المستمرة مع الشرطة. هذه نهاية لفكرة التعايش كتبت نفسها بنفسها دون تدخّل روائي ما.

- نصف أغاني دبكة الأعراس لدينا حزينة المعنى. هل تنتقد الحزن الفلسطيني الدائم حتى في الأعراس، أم ترمز له ليتخطاه الجيل الجديد؟

إننا لسنا بحاجة إلى تجاوزه، لأن في تجاوزه تجاوزًا للمأساة نفسها. فلا يُنتقد حزنٌ لا تزال مسبّباته قائمة. وهو وإن تسرّب من الخزّان ليطبع بطابعه كل مظاهر الحياة من حوله من مناسبات وأمثال وأعراس ورقص وأغانٍ، فهذه في ذاتها ظاهرة حسنة لا تعني الركون إلى اليأس والبكائيات. فالحزن المغروس في كل شيء فلسطيني هو بمثابة ذاكرة الأجيال المتنقّلة التي تروي ما حدث لبلادهم. وهم يحملونه معهم في كل خطوة دون أن يشعروا به. فشخصية "ظريف الطول" كانت دائمًا رمز النضال ورمز العودة ورمز تفضيل أرض الوطن على ما سواه. فلا بأس في الاحتفاء بهذا الحزن، إنه مفتاح العودة الحيّ.

- توطيد التعايش بين العرب واليهود في المدينة. أليس هذا ما يتم زرعه في ظل الاحتلال الحالي؟

نعم، هذا ما كان يحاول الاحتلال زرعه في مدن الداخل. فالتعايش يعمل لصالح الاحتلال، ولذلك فالاحتلال مهتمّ بدعم مؤسساته، بدايةً من التعليم المشترك في الحضانات، وانتهاءً بإشراك العرب في أجهزة الدولة اليهودية. غير أن حوادث "صباح الخير يا يافا" كانت تسير سيرًا طبيعيًا في القول بأن هذا التوطيد الذي يدفع الاحتلال عجلته قُدُمًا لا يقوم على نيّة إعطاء العرب بما قد تحقّقه لهم حملات التعايش من مصالح مشتركة. فموجة التهويد كانت تعلو في جميع أنحاء المدينة، وكانت بيوت العرب تتقادم وتُشوّه عمدًا. فلم يكن العرب قط جزءًا من هذه المعادلة، وإنْ انخدع بعضهم ببريقها الإنساني الزائف. إذ إنّ النظرة العنصرية للدولة اليهودية تجاه العرب كانت متأصّلة فيهم عبر تاريخ طويل من الكراهية والنفور، بحيث لن تؤثر فيها بحال تنسيق بعض أصص الزهور البلاستيكية فوق السطح الجديب القاحل.

- هل تعتبر روايتك هذه هي الخيط الجديد في الرواية الفلسطينية لما تحمله من هموم الجيل الجديد الذي يرزح تحت التراث وقضايا الصراع المستجدة؟ ما رأيك؟

ولماذا خيطان؟ الأقرب أنهما حبل واحد مضفور من خيطيْن. فالخيط الأول المغموس في حكايات العائلات والحرب وقصص النكبة والتهجير والغربة مما روته لنا أقلام الأفذاذ الكبار، سيبقى دائمًا هو العمود الفقري للخيط الثاني المتعرّض لقضايا الصراع المستجدّة داخل إسرائيل. خيط سيّد قشّوع وأيمن سكسك وغيرهم من كتّاب الداخل. فـ"صباح الخير يا يافا" وإن كانت لا تتلامس مباشرة مع حكايات الماضي المنكوب، غير أنّ ما حدث للمدينة منذ نكبتها حاضرٌ طول الوقت في العادات والتقاليد والأعراس والثياب التقليدية والنكت والحكايات والكتب والشعر والأغاني والأهازيج وأزقّة البلدة القديمة وصور النزوح في البحر والبرتقال ومحامص القهوة العربية والشاي بالنعناع والمريمية والحمّص والقراقيش والنمّورة وغير ذلك من مظاهر الحياة العربية العصيّة على الموت، رغم موجة التهويد الزاحفة فوقها دون هوادة. إنه الماضي يتجدّد.

في الحوار مع الروائي أحمد فضيض تكتشف أنه يسلط الضوء على قضايا فلسطينية عميقة تتعلق بالهوية، الذاكرة، الصراع، وطرق العيش المشترك في ظل الاحتلال الإسرائيلي. في هذا الحوار، يتطرق فضيض إلى عدة محاور تخص روايته "صباح الخير يا يافا" وتعبيره الأدبي عن معاناة الفلسطينيين والشرخ العميق بين العرب واليهود، مع تسليط الضوء على تفاعل الفلسطينيين مع البحر كرمز للثبات والتشبث بالأرض.

في أول سؤال، يوضح فضيض كيف كان الملهى في يافا رمزًا للتعايش بين العرب واليهود، ولكنه لا يقتصر على فكرة "المساواة" السطحية بل يظهر التحديات العميقة التي تواجهها محاولات التعايش في ظل الاحتلال، ويُظهر الفشل في الاستمرار بسبب التوترات السياسية والعرقية التي تُخنق أي محاولات حقيقية للتفاهم.

أما بالنسبة للسؤال الثاني حول الحزن الفلسطيني الذي يغلف أغاني الأعراس، فيعبر فضيض عن أن الحزن هو جزء من الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، وأن الاحتفاء بهذا الحزن ليس من باب التوقف في أحزان الماضي، بل هو مفتاح لعملية النضال والعودة. فالماضي الفلسطيني الأليم هو الذي يمنح الفلسطينيين القوة للاستمرار في نضالهم.

حول موضوع التعايش بين العرب واليهود، يُظهر فضيض رؤية دقيقة لممارسات الاحتلال التي تستخدم التعايش كأداة للهيمنة وتعزيز سيطرتها. التعايش المزعوم الذي تُروج له المؤسسات الإسرائيلية لا يعكس الحقيقة، بل هو جزء من محاولة للتهويد وتغيير الطابع الفلسطيني للمدن الفلسطينية، مما يعكس التناقض بين الخطاب والممارسة.

وفي ختام الحوار، يعترف فضيض بوجود خيطين في روايته: الأول متجذر في حكايات النكبة والألم الفلسطيني، والثاني يعبر عن قضايا الصراع المستجدّة. إلا أنه يعتبر أن هذه الخيوط تشكل حبلًا واحدًا مُضفرًا، وهو يحاول أن يُعيد تجسيد هذا الحبل بكل تفاصيله الحية التي تمثل صمود الفلسطينيين وهويتهم. الحديث هنا يعكس عمق فهم فضيض لقضية الفلسطينيين وهموم الجيل الجديد، وكيف أن الرواية الفلسطينية تتجدد وتتطور رغم قسوة الواقع.

تم نشر الحوار معه في جريدة الصباح العراقية