صراع المهاجر

قراءة في رواية ليلة لشبونة للروائي "إريش ماريا ريماك" ترجمة "دكتور ليلى نعيم"

ضحى عبد الرؤوف المل

حين تصبح الشعارات أقوى من الوطن، تضئ عتمة الليالي بفوانيس خالية من الهموم، لكن ليلة لشبونة للروائي "إريش ريماك" غصت بالمعاني التي تعصف بالفكرة وتضعها في ذهن القارئ بتصويرات روائية حبكها بفن أشد قوة من فيلم سينمائي تم تصويره بدقة من عدة زوايا. فهو استطاع فعلاً إظهار الفعل وردة الفعل في انعكاسات تخيلية تثير بأضدادها حالة تذبذب يبحث من خلالها القارئ عن الفكرة التي يتركها متغلغلة في الكثير من المعاني، لتتسلسل الأحداث بانسيابية لا وقوف فيها مع صورة أقوى من أخرى. إذ تشتد المعاني إلى بعضها دون خوف من المبالغة أو من إضافة متعة بلاغية واضحة المعالم كالغرق والنجاة ومفردات سبكها بأسلوب ماضٍ خاطب فيه الحاضر: "ما زالت تؤمن أن الواقف أمام المصلوب وعمالقة الفنانين لا يمكن أن يكون فردًا بأوراق ثبوتية مشبوهة". بتنوع يتأرجح بين البساطة والتعقيد في مشهد روائي لا مفر من رؤيته زمنيًا عبر تاريخ فترة معاهدة ميونيخ، إثر زمن الانتحار الذي كان سائدًا، فالخوف والأمل عند الشعب يتأثران بالأحداث السياسية. فهل حاول "إريش ريماك" حفظ تاريخ المحرقة البشرية التي شهد عليها بطل الرواية؟

النهر يعني الحرية، والحرية تعني الحياة، والرواية بناء ممزوج من أفكار ذات خصوصية تمتلك تجربة إنسانية أو بالأحرى تاريخية لها وجوديتها، كحالة ناتجة عن سياسات دفعت بالكثيرين في زمن الانتحار إلى التطلع نحو مستقبل تضاءلت فيه نسبة الانتحار، وازداد الأمل والتنعم بالحياة. فواقعية أسلوبه زادت من قيمة التخيلات في المشاهد المبنية على التسلسل المنطقي وبخصوصية معينة في التدرج بغض النظر عن غموض الرجل الذي رافقه، والذي يدفع بالقارئ للتغلغل بشكل أعمق في النص الروائي لتدب الحياة في شخوصه بحيوية تثير الهواجس الشعورية لمعرفة المزيد عن ليلة لشبونة هذه التي بدأها بأوراق سفر مزورة عاكسًا وبازدواجية مفهومي الحرب والجمال والحب والألم.

فالطبيعة الصامتة هي جزء من فن لا يخلو من إنسان سبغ ألوانه الزيتية ليتركها كعلامات استفهام لكل من يتأملها، وبشواهد يتوق إليها كل رسام انطباعي وبحضور معنوي كثيف ذي مساحة روائية أفرد لها تواجدها وأهميتها لتكون ضمن ملكية تبرز سلطة الدولة حتى على الفن: "إنه سعيد بملكية الدولة لهذه اللوحات، وهو بذلك حر طليق من أي قيد".

فن روائي بمضمون تميز بتاريخية الطوابع البريدية وأهميتها وقيمتها التي تزاحم بها الألماس من حيث سهولة تهريبها والاهتمام بها. فالفكرة الوجودية في الرواية لم تخلخلها الأقدار المشؤومة التي تنفي الإيهام والاعتماد على السرد المتوائم مع الواقع الروائي الذي يتغذى من وقائع القيم الإنسانية ذات المبادئ المؤدية لمبدأ الإنسان والطبيعة، وأهمية الفنون في الحياة حتى السياسية وحفظ تواريخ تنطوي على مفارقات تستمد علاقاتها من تشابكات في المواقف الحياتية التي يستغربها الإنسان نفسه عند القيام بها بدون أي دوافع مسبقة. لأنها تفرض وجودها الحياتي دون أدنى تجاوزات جوهرية مرسومة مسبقًا، وكأن القارئ داخل التاريخ يصنع الحدث ويتخطاه. ليستنتج قيمة الحياة الإنسانية التي يجب أن تكون في المستقبل بركائز منطقية: "كانت تنقصنا الأحلام، هكذا على الأقل بدت لي الأمور".

من لا يؤمن بالموت لا يؤمن بالحياة، ومن لا يؤمن بالقدر لا يستطيع امتلاك ثواني الحياة لاستخراج تفاصيل جمالها عندما تتميز الوحدة بالحاجة إلى الآخر للخروج من السجن الانعزالي الداخلي، لأن النفس تواقة لوجود آخر يجعلنا أكثر قربًا وملامسة لأنفسنا من خلاله، فإخضاع الإنسان إلى مسارب الفكر الوجودي بفلسفة واقعية. إذ لا يمكن للعبثية أن تبقى متباعدة دون وجودها، لتبرز المقومات السردية بشكل تستمد الشخوص وجودها من خلاله.

فالتشخيص ليس انطباعياً كلوحات مونيه، ولا هو طوابع قديمة، إنما صراعات داخلية هي حقيقة واحدة وضعها "إريش ريماك" في حياة شخوص تلاقت مع بعضها بعبثية لم تتناقض مع الوجودية أو التاريخيات المتكررة في الأدب الروائي. إلا أن تجددها في ليلة لشبونة تشبه الشعور القلق أو هواجس الإيمان والإلحاد وارتباط كل منهما بالوطن، وما بين التصديق والتكذيب مقارنات بين صحف أجنبية محظورة ومحلية مراقبة وانغماس في الشك ذي الأبعاد الكثيرة، والتي تحيط برؤية الوضع المحيط بالشخصية الروائية.

وإن بوضع نفي وإيجاب في مواضيع النفس البشرية، وما تميل إليه من تكذيب أو تصديق لأساطير ترافقنا في الحياة دون البحث في حقيقتها أو خرافيتها، وبمعزل عن قوام الرواية ومتانتها أو حساسية بعض التفاصيل التي استبطنها بتقليص معانيها وما ترتكز عليه من مقولات مصقولة بتناقض ذي مستوى سلبي وإيجابي وبخواص أسلوبية تعنى بالسرد الديناميكي والسلس: "رميت بأعواد الثقاب الفرنسية والبقية الباقية من السجائر وابتعت سجائر ألمانية بدلاً منها..."

قوانين روائية حساسة فنيًا فرضها "إريش ريماك" لتصبح الرواية عالماً قائمًا بذاته، مناقشًا فيها معادلات إنسانية يستردها من التاريخ، لتأخذ حقها في حياة عاشتها ضمن ماضٍ فرض نفسه: "كان من المعروف أن القائد الذي أشعل الحرب العالمية الثانية لا يخلد للنوم قبل أن يقرأ بعض المقاطع من المجلدات الثلاثين أو الأربعين لروائي كتب عن الهنود صيادي الفراء". كعلاقة مترابطة بين الماضي والحاضر، لتصحيح خطواتنا المستقبلية لتكون ثابتة بدوافعها وفوارقها وتبعًا لصياغة الحدث والتناص الداخلي، بطابع درامي موصول بمعطيات حقيقية تتمثل في العناصر الأساسية التي انطلق منها "إريش ريماك" وبخلفيات سياسية واجتماعية ونفسية وحتى وجودية.

فالواقع اللا إنساني هو الرفض البحت لكل تشاؤم أو تمرد أو حتى لكل ما هو حاضر في لوحات أو روايات أو طوابع بريدية لها الأثر الأكبر في العمق الباطن الغير مرئي عند تحليل الحدث الأهم وهو الحرب وأبعادها ونتائجها غير الإنسانية.

الذات والوطن والموضوع والأسلوب وجمع يقوم على معنى الإنسان واللا إنسانية في الحروب والخدع النفسية التي تشي بالحث على مواصلة التصور الروائي والعلاقة بين البشر في ظروف انعكاسية احتضنت المعالم، لندرك كنه حقيقة مرسومة في علاقة حب يختزل فيها أحداث الكون برمته. هكذا يجعل من ليلة لشبونة زمنًا بخاصية ليل ذي عتمة أضاء فيها قصة حب ربما لا يقبلها العقل، ولكنها حقيقة واقعة بكل تغيراتها من الامتلاء إلى رائحة الشعر، والوطن كذلك يختلف حين عودتنا إليه وإن حافظنا على محبته طوال الزمن.

https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%A7%D8%AC%D8%B1-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%88%D9%86%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D8%B4-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%83-%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9-%D8%AF-%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89-%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85/

برؤية أخرى بعد عام من نشر هذا المقال في جريدة اللواء

صراع المهاجر: قراءة في رواية "ليلة لشبونة" لإريش ماريا ريماك

رواية ليلة لشبونة للروائي الألماني إريش ماريا ريماك، مترجمة إلى العربية بواسطة د. ليلى نعيم، تتناول العديد من القضايا الإنسانية العميقة من خلال تسلسل أحداثٍ مشوق وفني. عند قراءة الرواية، نجد أنفسنا أمام تداخلٍ رائع بين الواقع والتاريخ، بين الوجودية واللا إنسانية التي تمثّلها الحروب، وبين الشعور بالحاجة إلى الآخر في أوقات الأزمات.

يُظهر ريماك، من خلال بطل الرواية وأحداث ليلة لشبونة، كيف يمكن للأفكار والشعارات أن تتفوق على الوطن نفسه. في هذه الرواية، تتداخل معاني الحروب والألم، وكذلك التفاؤل في فترات المحن، وهي توضح العلاقة الدقيقة بين الفرد وتاريخه الشخصي والجماعي في سياق تاريخي معقد مثل فترة معاهدة ميونيخ وحرب عالمية ثانية.

الرواية تتبنى أسلوبًا متنوعًا يجمع بين البساطة والتعقيد، كما أن تخيل الشخصيات والأحداث قد يبدو أشبه بتصوير فيلم سينمائي، حيث يعكس ريماك الفعل وردة الفعل بشكل متقن، مما يجعل من الرواية أكثر من مجرد سرد لأحداث؛ فهي مشهد تتراقص فيه الأضداد: الأمل واليأس، الحرب والجمال، الحب والألم.

المكان هنا يحمل أهمية رمزية، فالنهر يشير إلى الحرية، التي تمثل الحياة نفسها، وهو ما يجعل الرواية تلمس جوانب الوجود الإنساني بكل ما فيه من تفاعلات وجدانية وتاريخية. فنحن نرى في شخصية البطل الذي يحمل جواز سفر مزور، رمزية الفقدان والهروب، في وقتٍ كانت فيه أوروبا تتأرجح بين الحروب والتدمير.

إريش ريماك لا يقتصر على عرض القصة فقط؛ بل ينغمس في أبعاد نفسية وجودية يخلقها بين الشخصيات. القارئ لا يكتفي بالمتابعة السطحية للأحداث، بل يغرق في غموض الشخصيات التي تبحث عن معنى، وهي تتجاوز الأوقات العصيبة والظروف القاسية. الأسلوب الروائي في ليلة لشبونة يشبه عملية رسم فني، حيث تضفي الصورة الأدبية هنا تفاصيل دقيقة عن حياة البشر وصراعاتهم الداخلية، ومعاناتهم في الزمن الحربي.

وكما في معظم أعمال ريماك، تبرز قضايا الإنسان في مواجهة الحرب والاضطهاد. فالرواية ليست مجرد سرد تاريخي؛ هي جولة في الذات الإنسانية المعذبة بين الحب والفقدان، بين الإيمان بالقدر وبين الشك. هذه الأسئلة التي تطرأ في ذهن الشخصيات – هل يمكن للإنسان أن يعيش بمعزل عن الحرب؟ هل يمكن أن تنجو روح في وقت لا ترى فيه سوى الظلام؟ – هي التي تمنح الرواية عمقًا فلسفيًا عميقًا.

إضافة إلى ذلك، يعالج ريماك، من خلال تفاصيل فنية، موضوعات دقيقة مثل أهمية الفن في وقت الحرب. يربط ذلك بين الثقافة كأداة مقاومة والهوية الوطنية، مما يعكس رؤيةً نقدية لهيمنة السلطة السياسية على الثقافة والفن، كما يظهر من خلال الإشارة إلى الطوابع البريدية واللوحات الفنية التي تحولت إلى رموز للتاريخ والسياسة.

في النهاية، يمكن اعتبار ليلة لشبونة واحدة من الروايات التي لا تقتصر على تقديم سرد تاريخي، بل تقدم لنا تحليلًا نفسيًا واجتماعيًا في إطار سردي محكم. هي دعوة للتأمل في واقع الإنسان في أوقات الحروب، وفي أهمية التواصل مع الآخر في أوقات الضعف.

Doha El Mol