زاوية ضائعة
ضحى عبدالرؤوف المل
زاوية ضائعة، كما يقول "دي ويت باركر" في كتابه مبادئ علم الجمال: "لا يكفي أن تُحركنا اللوحة عن طريق الوجود التعويضي لشيء مثير مرسوم في الصورة، بل يجب أن تهزّنا على نحو أكثر فورية عن طريق مخاطبة الحس مباشرة". في ثنائية ملوَّنة بلون أحمر! ما بين بداية ونهاية، ذكر وأنثى، خير وشر، نور وظلام، نهار وليل، يولد العقل الإنساني، وهو القادر على الاختيار بين باقة ورد ذات زهور بيضاء أو باقة ورد ذات زهور رمادية مغلفة بوهج مشاعر حمراء تُسرُّ الناظرين بقوة خلق إبداعي في رسم يحمل غرابة لونية مُحببة.
ربما اللثام في لوحاتها تعبير عن كل مخفي لا نراه بالعين المجردة، ولكننا نراه بالبصيرة، وبالحس الذي نملكه في ألوان رمادية تُزعجنا... لكنها محببة إلينا حين تحملنا بثقل لون أحمر متناقض مُشتعل. ربما! ما سمعته منها جعلني أشعر بدفء كلمة ترسمها في لون رمادي، وكأنني أقف مرة ثانية أمام جبل أحد لأنفض عنه الغبار الرمادي فيتوهج بلون أحمر مخفي فيه.
في خطوطها البيضاء العمودية، تشكيل يُعبِّر عن فرح نفس مخفي يتسرب إليك كضوء الفجر، فيجعل من رؤيتها واضحة في "مجهول" ربما تخافه! فلا تُزيل اللثام عن وجوه الشخصيات العشرين والحادية والعشرين التي رسمتها! نسجت من الخيال ما هو موجود في ذاكرتها، ونقلته ببراعة فنية إلى ذاكرة الحواس في الرؤية البصرية، لنحيا الحياة ماضٍ اندمج في مستقبل لا يمكن للعقل البشري إدراكه أو التعامل معه رغم المنطق البارز في محاكاتها للوحة "المجهول". وربما لم تصل إلى قناعة منطقية رغم رمزيتها لقرن الحادي والعشرين الذي نعيشه: الغربة... المجهول... التخفي والتشتت الفكري بشتى الأساليب.
ألوان تميل إلى السخونة، رغم امتزاجها بألوان حيادية باردة. لكنني شعرت بقوة أحادية حولت المساحة النفسية إلى انسجام وتناغم، رغم الطقس الممطر البارد في الخارج، لكنّها استطاعت أن تعزلني عن العالم الخارجي، وتجعلني في رحلة نفسية هادئة، بين قرية ومدينة ضمن لوحاتها حيث اختلطت فيها الرؤى. المزج بين عناصر مختلفة هو اندماج فكري موحد في عملية خلق إبداعي، هو تجريد وإعادة صياغة في رؤية فنية حملتني نحو الماضي والخيال وذكريات الطفولة في لوحة احتفالات تجمع الوجود الطفولي، والوجود الكوني الذي كثفته في شكل فني ضمن مستطيلات ثنائية الأبعاد ذات زوجين من ضلعين متقابلين متساويين في تجريدية هندسية، جعلتني أمسك بلون أبيض بصري استوقفني عند تلك الزاوية الضائعة التي بحثت عنها في ذكرياتي، فوجدت نفسي في اللوحة مستلقية أتأمل جمال السماء لأنها خلقت أجواء من خيال جعلتني أحيا في زاوية ضائعة عبر عالمها في هندسة لونية رأيت فيها الشمس وردة كالدهان.
يقول روبين جورج كولنجوود: "إن الفنان لا يعظ ولا يرشد، ولكنه يتنبأ، لا بمعنى قيامه بالكشف عن الغيب، ولكن بمعنى قيامه بإبلاغ المتذوقين بأسرار قلوبهم". وهذا ما أحسسته في لوحتها من ذكريات بسيطة ما زالت تحيا في أعماقها من خلال لوحة "ذكريات" من الطبيعة بأسلوب تجريدي متقن ومزج لوني جعلني أشم عطر زهور بيضاء ذات أشكال بصرية متحركة تحت تأثير لون جعلها بارزة في إيقاع فرح طفولي أعادني لضوء الشمس مرة أخرى، رغم البرودة في الخارج عند الغروب كما في لوحة ذكريات القرية، حيث تظهر مساحات متكررة في فراغات ضوئية تبدو كمربعات تبث الروح في مستقبل تقني تكويني في زمن مستقبلي جعلتني أراه.
ديزي لم تقلد الطبيعة بل جعلت منها بناء فكري خيالي مستقبلي، متجولة بين ماضٍ في ذكريات طفولية وبين مستقبل متصحر قد يكون. وهذه قيمة حقيقية في أعمالها، نبعت من أحاسيس جمالية أثارتني، مما منحني إشباعًا نفسيًا وفكريًا في قالب أكثر موضوعية. ومنطق يقول ديفيد هربرت لورانس: "الروح الإنسانية تحتاج للجمال الحقيقي أكثر من حاجتها للخبز". وهذا ما جعلني أتأمل جمال العقل الإنساني تحت شجرة الهدوء، وكأنني أم نص أدبي للأديب سليم الرافعي، يقول فيه: "هل هذه الشجرة قفص يحتوي أمة واحدة؟ أو عدة أمم؟". وهذا السؤال طرحته على نفسي رغم بساطة الألوان وغرابتها ودقة الخطوط التي استعملتها، فالعلاقات اللونية والمساحة والتناسق والإيقاع وإثارة التساؤل عبر دغدغة الخيال والحواس معًا في لون أصفر ومربع مرئي يضم الشجرة، جعلتني أتساءل: هل يتعدد الفكر؟ أم يتوحد في أفكار تتناغم؟ مما جعلها تمتلك خصائص موضوعية حملت مضمونًا ورسالة قرأتها في بصمة حملتها اللوحة هي لديزي أبي جابر.
ضحى عبدالرؤوف المل
Doha El Mol
المقال تم نشره في جريدة الإنشاء طرابلس عام 2011