احترم غيرتك، ولكن

ضحى عبدالرؤوف المل

"أغار عليكِ"...

أيتها الغالية، أصافح كل حرف تكتبينه، فأرى العتمة في عباءة صباحٍ يجر سلاسل عتمتي، يمد يده! يمسك بزهر الياسمين، يفوح شذاه، يلملم دمع الندى، يجدد فرحًا يمحو غمًّا، ونوى يكسر كل جليدٍ كفن أحلامه. فعودي إليَّ...

تعاليّ، نضمّ البدر والأنجم، نرتوي من عطرٍ فَّر من تويجٍ وبكِ اغتنى. لم أودعكِ حبيبتي! ولم أغمض أهدابَ كونٍ إلا من هواجس خوفي عليكِ، فلا يضيق صدركِ من غيرتي، ولا تسأليني عن المسافة التي قطعتها لأراكِ، وأنتِ عن رؤياي تتمنعين...

تشتّت روحي في ربى الحياة، وأيقنت أن الحسن حين يصفو، لا بد أن يواليه القلب تحنانًا، فيزداد شموخًا وأدبًا. فعطر الأبجدية يزهر أديمه حبًّا، ليكتسي غرَّةً كلما داعبكِ نسيمٌ جنّ، وكلما رأتكِ عينُ قمرٍ انحنى، وكلما غرد لكِ حسون، وكلما شحرور اشتكى مرَّ الفراق، وألم دمعٍ ترقرق فوق زهرٍ يسلو نداه الغض.

لم أكن يومًا غافيًا، ولا غافلاً عنكِ، فمتى ستسامحين؟ وتغفرين غيرة حبيبٍ يوقظ حدائق حروفك؟ ينفض عن المعاني أحزان دمعكِ قبل أن يجف المطر، ويصبح ماء السماء ضبابًا يسافر بين عينيكِ الحالمتين في مدينةٍ حزينةٍ اشتعلت حاصرتها عيون الظلام.

لا يا ضحاي... إن العمر واحد، والحب دهشةٌ تصيبنا بالجنون، فنتأرجح خوفًا في كل ثانية من فقدان الحبيب. لا يا مهجتي، لست قاسيًا! ولم أودعكِ راضيًا! ولم أعتزل حرفكِ يومًا! لكن الغضب شيطانٌ صامتٌ أمسك برأسي، وجعلني أعتزل وجودكِ بي، لا تقولي! رجلٌ أخرقٌ أصابه الجنون يكسر أجنحة الأمل، فيشعر بالتيه في كل مرةٍ يغضب فيها، فلا أعرف كيف أرضيه.

لا، أيتها الحبيبة! لا تقولي نرجسي مغرور، ولا تختفي عني، وقلبي يؤوب. ها أنا أحيا بعيدًا حاملاً قناديلكِ التي تضئ عتمتي. ها أنا أجالس العتمة وحيدًا أستعيد لحظاتنا المثقلة بالأماني، أنا وأنتِ ووجه الزمان الباكي ندما على زللٍ مضى، وماضي قد أناخ غيرتي، وأزاح غضبي، وجعلني أتأمل أضواء ثناياكِ، فهل تغفرين؟

ها أنتِ تمسحين دمعة طفلٍ عن خد عجوزٍ سقيمٍ عاش، ها أنتِ تلوذين بالفرار مني، وشموس دنياكِ تشرق على وجهي الكالح، فتمسحه بأنوارها، ها أنا أستعيد الذكريات وأبكي، هل هو الزوال أم أنكِ إليَّ ستعودين؟

هل تعلمين؟ أن الحب في الروح شيء عظيم...

إن الصباح في كل يوم كالأمل يلامس كل الوجوه، فهل لامستي وجهي في كل صبحٍ إليه تنظرين؟

أيتها الحقيقة، بي تناثري كعطر الحقول فوق تربةٍ تضاجع الجذور، تستعطف الزهر أن لا يموت، تطير على...

تم نشره في جريدة الإنشاء 2012