كيف أهرب من هناك فأنساه؟
رسائل من قلبي إليك...
كيف تسأل عن غيرة وكل من يتلو حرفي يهواه، ويبحث عنك في معناه؟ كيف تهرب من قدر إلى قلب، ودبيب الشوق في الأرواح بلغ أقصاه؟ كيف أغسل دماً طغى عليه حبٌ تلاعبه أحزانه، كلما انبثق لي طيف الحياة التي تجمعنا، تأتي سحابة وتمسح معالم حب يكتم أحزانه؟ لماذا تغريني بصفو عيش لا تمتلكه؟ لماذا ترفعني إلى دنيا أهتدي بها، ثم تهديني سراباً أهدهده؟ لماذا أهديتني هناك ورداً، وهنا توقد النجوم في صدر تاه هواه؟
حبيبي...
شكٌ ويقين، واستسلام لقدر أخفى سره. فلا تحدثني عن لقاءٍ لا جدوى منه، ولا تقف في ذهول لتحتضر كالشمس في عمق سماء شاحبة، في عيني ليلٍ لف السواد جوانبه. لا تصرخ كصقرٍ خنق الحزن أنفاسه. سأتمرد! سأفرح! سأبكي! سأغضب! سأصفع الزمان الذي توقف في صدرك، في صدري، في مدينةٍ انتظرتك فيها في لحظات أملٍ سحقته. سأمحو كل أثرٍ رسمته السنين على أوراق تاريخٍ حرقناه. هذا عهد انتقامي الجميل. فتفرس في كل حرفٍ لك سأكتبه. صنعتني، جعلت مني عاشقةً لعنيد، لشقيٍ، لعصيٍ، لطفلٍ ما كنت يوماً أمه. حبيبةٌ أنا لمن غازل هديل روحٍ لم تهدأ، وصهيل نفسٍ احترقت ونثرت رمادها على قلبٍ كسرته.
أي قلبٍ أنت تمتلكه؟ يا باكياً، يا شاكياً، يا راحلاً عن قلبٍ أحبك غدرته. تنتظرني؟ تودعني؟ تشك بي؟ تتساءل عن قرنفلٍ تأوه؟ عن زنبقٍ هز أكمامه؟ عن حريتي؟ عن جرأتي؟ عن هروبي؟ أم عن رسائل ما زلت أكتبها على جدار قلبٍ كالمرايا، توهمتُ أنني أخفيته؟ لا تقل ضحايا، فلن أسمع أي حرفٍ تردده. وتنسى يوم مولدي، ويوم تذكره تقول: عجوزٌ بعمر الصبايا؟ تتصابى! تتغاوى! تقدم النذور لولهانٍ يصبو لنزق! لعجوزٍ يكوي الروح تهوره! لا تعذب قلبي واستعذ بالله. فسعف النخيل تموت شامخةً، ولو عصفت بها ريح، واستبدت بها شمس الأصيل.
أنا امرأةٌ كبُرت، وفي أحداقي ارتسمت الحياة على عروش الوفا. فوحي الأحاسيس نكرته، ونبض القلب كتبته، والحلم هجرته. فمن ذا يُقبل على حرفٍ من رسائل حبٍ نثرتها؟ وزنابق رويتها دمع حزنٍ تجلى من حسن عيونٍ في رجولةٍ أخفيتها، وإثمٍ أخاف حمله، لواه.
يا للحزن، يا ليأسٍ يثور فيعبث في قلبٍ أضرمت ناره. يا لقنديلٍ من ذكرياتٍ، كلما أضاءته، أطفأته. كلما قلتُ أحبك، تنتقد شفاهٌ تذوب، تذوي، تخفي نفحة وردٍ شح بخوره. هذي شكواي، بحتُ بها. فإن عبثت بنا الأيام، والتقينا، سأقول: أنت الحبيب، و"هناك" ضحاه ودعته.
بقلم ضحى عبدالرؤوف المل
تم نشره عام 2012 في جريدة الإنشاء
من كتاب لحظة غرام عام 2025 دار الجندي