حضور القلب

ضحى عبدالرؤوف المل

حضور القلب له لغة إيمانية خاصة تدعو كل مؤمن إلى النظر إلى لوحاته الصوفية التي تحاور الناظر إليها روحياً. ففي أعمال الفنان السعودي "يوسف إبراهيم" خاصية استثنائية ميزت كل لون، مما جعله عملاً فعلياً نستدل منه على كونية ذاخرة باللون الحي الذي يتوهج في البصر، وكأننا نقرأ شعراً، أو نسمع نشيداً، أو نجد أنفسنا في حلقة ذكر وتسبيح ترفعنا نحو الأمل والشوق للقيا الأحبة في عالم حروفي يشبه تناغم الذرة مع حركة اتصالية بين الأرض والسماء. كما برزت مدلولات صوتية من خلال دمج ألوان ذات معاني جمالية ولغة خاصة يتكلم من خلالها الفنان بصمت، مما يجعل البصر يتجمع ويتفرق وكأن الحرف يتراقص في فراغ، يمده ويقبضه تبعاً لأحاسيسه التعبيرية.

إنه حرف عربي له عالمه الفني والقدسي، يفتح له مساحة ذات حدود يستريح فيها ويقرأ لنا لغة فنية تشكيلية تتماشى بصرياً مع خيوطه الذهنية ومفاهيمه الإسلامية التي تجذبه. أحياناً، ينسى الأبعاد ويترك الكتل في فضاء لوحته لتتحرر، ناسيًا فرشاته، كأنه في جلسة روحانية ينطلق منها لذاته.

"يوسف إبراهيم" هو فنان الأحرف الذاكرة القابلة للتناغم والاندماج بشكل عام مع كل ناظر إليها. المضمون الصوفي الذي يطرحه يعتمد على مقايس الحروف والخطوط العربية الرمزية ذات المعاني والدلالات التي تمثل أصالة إسلامية يتمسك بها، وطواف ذو أبعاد موسيقية حسية تبحث عن الحقيقة الوجودية في تكور جميل وانعكاسات هندسية أحياناً. كأن الخط هو المساحة الحقيقية للوحات الفنان، أو كأن لكل حرف قدسيته الرقيقة وحجمه المدروس بدقة، يتناسب مع المساحة ليمنحنا مسحة جمالية متميزة خاصة به.

ترى سوزان لانجر "أنه إذا كانت اللغة هي التعبير الفكري للنشاط الذهني، فإن الفن هو لغة رمزية تقوم على علامات غير منطوقة وتعبر عن معان عقلية بعيدة المدى، بمعنى أنه نشاط يوفر لنا نوعاً من المعرفة البصرية عن طريق الشكل الفني كطريقة أخرى للتواصل البشري بجانب الطريقة اللغوية. وإن كان الفن أوسع مدى من اللغة في التواصل". وترى كلود عبيد "أن الجمال في العمل الفني يكمن في كل ما يجسد حقيقة ذهنية أو حقيقة شعورية بشكل صادق".

فالحقائق الذهنية والشعورية في لوحات "يوسف إبراهيم" تتناغم مع تدرجات اللون، لتمنحه جمالاً روحياً. كأن الخطوط أوتاد تمسك الألياف البصرية، كأشعة شمس تبهرنا قبل أن نغوص في مشاهد لوحاته الصوفية. إنه في حالة لا متناهية من التناغم الروحي، حيث تتخذ الحروف أشكالاً ذات أبعاد لغوية، وكأنها تخاطب البصر هارمونياً. هكذا نتصور الكون والخلق والأجنحة، لنتأمل اللوحة كحكاية تنصت لها الحواس باستسلام.

لقد استطاع "يوسف إبراهيم" توظيف ثراء فني في تكثيف اللون بتوازن مع كثافة الحرف، ليربط الحواس البصرية بالروحية، فنشعر بالكمال الروحي يتجلى حسياً في اتصاله وانفصاله. كأنه يترك الزوايا ويعطي للخط العامودي قوة ارتفاعية تمتد إلى ما لا نهاية، لنخرج مع طواف حرفه خارج اللوحة ونقول: "سبحان الله"، لأن خصائص الفراغ في اللوحة تركت الطبيعة الذاتية دون قيود، وكأنه يتحرر من كل ثقل دنيوي وهو يرسم "لا إله إلا الله" في دمج لرؤية ذات صفاء إبداعي.

إنه يمتلك ثقافة خاصة وهوية انطباعية جذبتني لأكتب عن جمالية تذوقتها، جعلتني أشعر بالسخاء العاطفي من خلال اللون والحركة، وسماكة الحرف وشفافيته، وسيطرته على الخطوط الهندسية ذات التعبير المتماهي مع كل خلفية لونية أشرق معها البصر بتواصل ذات تأثير نفسي، وانعكاس لحركة داخلية حيوية ذات بعد روحي حروفي.

يقول بابلو بيكاسو: "أعترف أن آخر نقطة وصلنا إليها في التجريد، سبقنا إليها الخط العربي بأزمنة بعيدة."

بقلم: ضحى عبدالرؤوف المل

تم نشره عام 2012 جريدة اللواء