تواريخ لا نملكها ..

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "ذوات أخرى" للروائية بدرية الشامسي.

أزمنة ما قبل النفط وتواريخ حياتية فاصلة اهتمت بها الروائية بدرية الشامسي في روايتها "ذوات أخرى" منطلقة من معايير روائية رصدتها بعمق فني، مارست من خلالها انعكاسات كتابية تأثرت بها، ووضعتها ضمن إطار تكنيكي، وظفته لتكون قادرة على الإمساك بخيوط الرواية ببساطة شديدة، دون تعقيد في فكرة تعالج إشكاليتها من منطلق بيئي حياتي مرتبط بمجتمع معين، زينته بحقائق منطقية، ومعالجات فنية نجحت بها، وإن فقدت في بعض منها ملامح الرواية العفوية، لتدخل منهج حرفية الرواية الأدبية القادرة على الصمود في أفكار القراء، أو لتكون بمعايير روائية منهجية في تدرجاتها، بل محاكاتهم من خلال سلمى التي قالت لحبيبها خالد بثقة: " لا تكشف العربيات كل وجوههن قبل الزواج" فهل كشفت بدرية الشامسي عن وجه الرواية العربية ببساطة وتقنية محبوكة بوجهات نظر اجتماعية مدروسة، وبلباقة المرأة العربية؟

حق المرأة في البحث عن ذاتها بمنطقية الحياة وفتور الانفعالات المؤقتة، لتستقر بحياتها بشكل صحيح يؤدي إلى بناء الذات الأخرى التي تحتاجها سليمة معافاة دون تشوهات اجتماعية مبنية على ثقافة اجتماعية " كأن اللاوعي توقف عن تسجيل ذاكرتها الحديثة" فالذاكرة الحديثة هي بمثابة أحداث الحاضر التي يتكون منها المستقبل برؤية واضحة دون تشويش، يمتد من الأجيال التي سبقتنا، وباتت برمزية الجدة، وذاكرتها التي بدأت تتضارب وتشبه ذاكرة الحياة التي نمر بها، وما نتأثر به ولا سيما أن الحب الأول هو البكر، وهو القطاف الذي يستند إلى توافق الأعمار والتجارب والخبرات، باستقلالية روائية جميلة في حيويتها المشهدية، والقدرة على المماطلة الروائية بديناميكية وحرفية مسبوكة بفكرة بسيطة تعالج من خلالها بدرية الشامسي موضوع الذوات الأخرى بمقارنات منطقية ، وباقتحامها قضايا الانتماء من خلال الأمومة والتنافس البريء بين الأم وابنتها، ولو بخوف الأم الدائم الذي يرافق الفتاة، والمبني على رؤية الأبعاد الحياتية التي يراها الأهل، ولا يدركها الأبناء، فهل للنهاية وجوه مختلفة مرضية للقارئ؟ أم أنها حاورته بقناعاتها المستمدة من المرأة العربية، وما تمثله سلوكياتها في المجتمع الذي استطاعت دخوله بتنوع مع صديقاتها، وما تمثله كل واحدة منهن؟

تنوع وابتكار وحفاوة هندية بامرأة استطاعت بناء أسرة في مجتمع عربي، وأنجبت الأبناء الذين ينتفضون لأي مشهد عنصري يصاب به هندي، وهي طبيعة الدم، وطبيعة الأم القادرة على احتواء المشاعر التي يرفضها الأولاد بداية، لكن نخوة المشاعر لا يمكن أن تصمت عن أي اضطهاد قد تشعر بها، ففكرة الرواية الموضوعية هي بناء بسيط وسلس بامتلاءات أسلوبية مزخرفة بتفاصيل المشهد الذي يجذب القارئ، والقادر على محاكاته ضمن نكهة عربية مكحلة باختلاطات وانتماءات، واستخلاص ذاتي لمفهوم الفروقات العمرية، والفروقات الانتمائية، بالمرفوض والمقبول، وقناعات الأجيال لذلك، ومدى تقبلها أو رفضها بوعي ناتج عن مفهوم التربية، ومدى حرية المرأة في الاختيار.

استكثرت الروائية من الصلاة، ومن التمسك بمبادئ الطقوس الدينية وأصولها، وأغرقت كل فصل بملامح الحياة المشبعة بالثروة النفطية مشيرة في بعض منها إلى زمن ما قبل النفط ، فالمقبول في زمن الفقر غير مقبول في زمن الغنى، والعكس صحيح، ولو ضمن فرضيات زمنية مع منح العطور الشرقية توابلها الهندية بإيحاءات اختارت لها تأفف الزمن، والتعايش المبني على العادة لا الانتماء، وبتبسيط لا ينفي جمالية السرد وبساطته ورومانسية الأحاسيس التي تبحث عنها الفتاة بعد فترة من علاقة تأخذ منحى مختلفا من حيث التوقعات، فالذي عاش المراحل الحياتية الأولى ليس كالذي ما زال ينتظر بكر الأشياء الزمنية، وبأحلام المرأة العابقة بحداثة الحياة وتطوراتها، مع التزامها الأسري بشكل خاص والعربي بشكل عام.

رواية عربية واقعية في نضالها الإنساني، وحبكتها الفنية والأدبية المشغولة بحس روائي تقني له مكانته، ومقتضيات الزمن وحداثته بعيدا عن الابتذال والإسفاف والحشو، وإنما بمقدرة تعكس من خلاله طبائع المجتمع الذي تنتمي إليه مع الاهتمام بالمتغيرات الزمنية، والتحولات المكانية بأشكال تعبيرية شتى، وبحقيقة الواقع دون مجازية عميقة اعتمدت عليها، وكأنها تواجه القارئ بجوهر المرأة التي ترفضها الأم من أجل الأم، ونحن أبناء إنسانية واحدة، وما تمثله الجدة من الجذور وقوتها لا يمكن لأي طارئ انتزاعها، لكن الإنسان هو الإنسان في كل مكان وزمان. فهل للواقع وحدة الثقافة الإنسانية تبريرات روائية ابتعدت عنها بدرية الشامسي لتلامس أحاسيس القارئ بمصداقياتها الروائية؟.

ترصد بدرية الشامسي الفروقات العمرية في المجتمع، ضمن استنتاجات تتضمن فروقات الأحاسيس بين المرأة والرجل، وبالتساوي كصديقاتها التي تقدم الإغراءات للرجل على طبق الماسي تنتقده، وهي غير الملتزمة بالكثير من الأمور التي يجب أن تلتزم بها كابنة مجتمع اعتادت فيه على العباءة والبخور، و الحناء، وعلى قناعات كثيرة، لها تقاليدها وعاداتها المحببة والمرفوضة في آن، لأنها كالتوابل التي تذكرها في روايتها، كثرتها مضر، والقليل منها يفقد الرغبة في الأكل، فالتوازن هو منطقية الأشياء التي نضعها في ميزان العقل بعد أن انتفضت في وجه الذكريات، وفي وجه كل عنصري يرى الأمور من وجهة نظر خاصة، فهل أمسكت بدرية الشامسي بزوايا الرواية بحرفية أم بمشاعر تركتها للقارئ؟

Doha EL Mol