تفاوت الحضارة بين الفكر والعقائد من وجهة نظر استشراقية

قراءة في كتاب "خرافة الفتوحات العسكرية: دين ودولة أم دين وحضارة" للمؤلف "إسماعيل الأمين"

ضحى عبدالرؤوف المل

تتفاوت الحضارة بين الفكر والعقائد من وجهة نظر استشراقية جديدة في كتاب "خرافة الفتوحات العسكرية: دين ودولة أم دين وحضارة" للمؤلف "إسماعيل الأمين"، الصادر عن "دار رياض الريس للنشر والتوزيع"، ضمن إشكالية الحروب والانحلال والتشكّل الحضاري والثقافي المتجانس إلى حد بعيد. لكنها ظلت، كما كانت دائمًا، خصبة للثورات والاضطرابات. بأفكار نظمها "إسماعيل الأمين" لمناقشة القارئ بكتاب ليس بالجديد، فمن مصادر التاريخ التقليدي في أسطورة الفتوحات هوامش هي عبارة عن مفاتيح لقراءات أكثر توسعًا من الفتوحات التي ذكرها، قبل الدخول في النقد العام الذي افتتحه برؤية جمعها من المؤرخين التقليديين. بهدف وضع الفكر في نطاق البحث والتمحيص والتساؤل عن الكثير من الرصد التاريخي البعيد عن المنطق نوعًا ما، والذي يجعلنا نعيد فكرة البحث أو تسليط النقد التاريخي على الكثير من المغالطات التي أنتجت قانون بريستد ودراسته لتأريخ شعوب الهلال الخصيب. وهو بهذا يحاول تبسيط الفكرة قبل الدخول إليها كباحث عن حقيقة تاريخية يصعب إيجادها، ما لم يضع عبور جبل طارق تحت مسمى أسطورة والخرافة ونقيضها وما إلى ذلك من موضوعات تسويقية لقضايا تاريخية تغزو ببنائها الفكري السياسات الحالية، كنتاج نتعامل معه بيقين تاريخي بينما ما زال يحتاج إلى البحث والتدقيق وانتزاع المغالطات عنه، أو بمعنى آخر إعادة التدقيق والتنظيم. ليصل إلى حقيقة الفتوحات العسكرية وليس إلى خرافاتها. مما يجعل القارئ يتساءل: هل الفتوحات العسكرية زائفة أم هي أساطير يجب أن نعيدها إلى الحقيقة الأولى؟

يعكس المؤلف "إسماعيل الأمين" الخرافات التاريخية، ويضعها في قوالب المنطق. ليغربلها ويتركها مفتوحة اليقين للقارئ معتبرهم ضحية الخرافات. فالادب الخيالي واللاهوت وأجواء "ألف ليلة وليلة" لم تمنح المؤرخين المعاصرين صورة واضحة لاستخدامها في الأبحاث التاريخية التي رفض فيها الألماني فيليكس داهن أن يكتب سطرًا واحدًا حول هذا الموضوع. وما إقصاء الأخطاء الفاضحة إلا الطريق الاستدلالي لتنظيف "أبحاثهم من تناقضات النصوص القديمة" مما هو مختلف عن ثقافات الأديان، مشيرًا إلى مفهوم الغزو والفكرة المختلفة في تفسيراته المؤكدة على منافسة تاريخية تهدف إلى نفي مفهوم الغزو وضعف إمكانياته بحد ذاته بغض النظر عن طبيعة الصعوبات التي تسهم في تحقيق التمثيل المفرط في بسط السيطرة على المدن أو البلاد التي تم فتحها، ربما! بقوة الخيال الذي يأخذنا إليه "إسماعيل الأمين" وفق الإمكانيات التاريخية الأسطورية أو الفانتازماغرافية، وبتداعيات رؤية خاصة في النقد العام. "خصوصًا أن كتاب الأخبار كانوا يجهلون أهمية الأفكار في مجرى الأحداث". فهل من فائدة فعلاً في تعريفنا بخرافة الغزو في صيغتها النهائية كما يقول "إسماعيل الأمين" في كتابه؟

هل نعيش في تاريخ مرصع بالأساطير؟ سؤال قد يغزو فكر القارئ وهو يقرأ كتاب المؤلف "إسماعيل الأمين" الخاضع للبحث عن البطل الحضاري المفقود الذي يؤمن به الإسبان، وهو الملتحي القادم من الشرق مع اختلافات في ما ذكره كل من المؤرخين، وكل من المصادر التي تنتقد فكرة الغزو والبحث عن النصوص الأصلية الضائعة من أيدي المستشرقين والباحثين عن الأصول التاريخية والمشبعة بالرمزيات. أن بتحليل سوسيولوجي تاريخي للاحتلال والعناصر التدميرية التي رافقته، فهل يريد القول إن فينيقيا التي قامت أسسها على التجارة تاهت بين المعتقدات والأيديولوجيات الأخرى؟ وهل عانى الإسبان من العنف الخيالي والرؤية الجيوسياسية لأسطورة لم يتم إزالة الأقنعة عنها تاريخيًا لإضفاء الخرافة على الفتوحات وتوضيح فكرة التصادم بين العوالم والحضارات القائمة على الفكرة التي توزعت على التاريخ، وإن ضمن رؤية الفتح واستعراض لقضايا التخطيط العسكري الوهمي، بنهج أيديولوجي يسلط الضوء على الانتصارات المعززة بالأدب الخيالي، مؤكدًا على فتح الوثائق التاريخية، وإعادة النظر فيها في دراسة نقدية تدعم فك الغموض في الفتوحات وخرافاتها. فما هي الفكرة القوية في إخصاب جماعة إنسانية ما في كتاب "خرافة الفتوحات الإسلامية"؟

تتأرجح العناوين في الكتاب كما تتأرجح الشروحات التاريخية والدوافع المهيمنة على الفتوحات والتوسع الإسلامي السريع مع الإبقاء على جوهر الفتوحات والبحث عن المزيد من البلاد التي يجب أن ينتشر فيها المعتقد لإسقاط فكرة البحث عن مناطق خصبة أو نوافذ اقتصادية. مما يؤكد على اتساع الطموحات في الفتح العسكري المؤدي إلى انتشار الإسلام بالتوازن مع الفتوحات الأولى وقوتها في تحقيق الوصول إلى المناطق البعيدة، وفهم النسيج التاريخي للفتوحات ومصداقيتها بعيدًا عن الخرافات وعن التعقيد الفكري. لفهم البعد الاجتماعي في التوسع الإسلامي بعيدًا عن المبالغات لإعطاء الفتوحات المعنى الحقيقي لها بعد أن استقر العرب في إسبانيا، وتم التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود. فهل من شك أن أقلية يهودية تمكنت من البقاء على قيد الحياة بين حضارتين هما الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، أم أن كل ذلك هو أسطورة تاريخية تحتاج للبحث والتدقيق؟

إن الأكثر شيوعًا في التاريخ هو أننا نستطلع معالم الحضارات وفتوحاتها العسكرية أو الثقافية. أما الغزو الفكرة فهو الأكثر اهتمامًا في كتاب "خرافة الفتوحات العسكرية" وصراعات أفكار القوى التي تقضي على بعضها البعض. إلا أن ثمرة حركات أفكار القوى هي التي تسيطر على حركات الشعوب وتغيير عاداتها، وما المقاطعة الإسبانية الحديثة في الأندلس إلا الجزء الغربي من الإمبراطورية الإسلامية، إلا "موضوع الأزمة الحادة" التي أثارت جدليات كبرى في التاريخ للصعوبات التي اختصرها الأمين بهذه المفردة. ليتوسع بالبحث عن صلة غرناطة بالإنجيل. ولكن ما يتبادر إلى الذهن ونحن نقرأ من صفحات كتاب "إسماعيل الأمين" هو: أليست جذور الثقافة الأوروبية تعود إلى هذه الحقبة من الجمال الإنساني في إيبيريا أو إسبانيا المسلمة في عصر ذهبي جعلها جوهرة أوروبا أو الفكرة النبع المؤثرة أو الفكرة القوى التي عكست السلام والتعايش بعد "أن وفرت التوفيقية الآريوسية المناخ الملائم لانتشار الدعوة الإسلامية" وما الغنيمة الفكرة التي انتزعت إلا السبب الأكبر في توليد العلم والتفوق الذي حدث في تطور الفكر في إيبيريا وولادة عصر النهضة ومرور المسلمين بالفكر والعلم والتسامح في تلك البلاد.

حقيقة أن كتاب "خرافة الفتوحات العسكرية: دين ودولة أم دين وحضارة" تمت حياكته من خلال العديد من المراجع التاريخية التي تختصر مرحلة مهمة من تاريخ يجب أن نعيد صياغته. لنسترجع الكثير من الحقائق المنطقية عن الفتوحات الفكرية، وليست العسكرية فقط، إذ يضعنا المؤلف "إسماعيل الأمين" فيه أمام حضارتنا وجهًا لوجه بغنى بحثي يؤدي إلى انعكاس الموضوعات الأخرى التي تؤدي إلى نقد الخرافة التاريخية وتصحيحها، بل! ووضعها في إطار الأدب الخيالي. حيث حدثت العديد من التحولات والتغيرات في زمن أجبر العديد من المؤرخين على اعتماد الخرافة لغزو التاريخ بأسلوب مختلف، وهذا النقيض الذي يتحدث به الأمين في كتابه لا يخلو من افتراض رغم منهجية البحث التاريخي الذي اعتمده في الكتاب كمسار فكري تصحيحي لتاريخ حرص على تنقيته من شوائب الخرافات مركزًا على مسألة الأسباب الجذرية للتأريخ الحافل بالأساطير الغنية بالثقافات المختلفة. فهل فعلاً الأكاذيب الكبرى لا ينتجها إلا عقل رصين؟ وبين كل ما تقدم في كتاب "إسماعيل الأمين"، أسأل: هل يمكن تحديد البعد الاجتماعي والسياسي للفتوحات كاملة بين الماضي والتاريخ الحديث؟ بل أين التسامح والتعددية الثقافية في التاريخ؟ أليست في حقيقة تاريخية مهمة لا تتصف بالخرافة؟

تم نشره في جريدة الزمان في 25 أذار 2018

https://www.azzaman.com/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9/