الروائي عباس جعفر الحسيني للمدى: "البعض يتهمني بأنني أهدم منهج الرواية القديمة، وهذا بحق اتهام يرضيني"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

يخوض الروائي عباس جعفر الحسيني في الإشكاليات الحياتية بين الواقع الاجتماعي والسياسي، وقصص الحب التي تتخذ من الطابع الإنساني رمزيات عديدة، يتسلل من خلالها إلى المنطق الإنساني في الحياة والحريات الشخصية التي تتوارى خلف الأبطال بأسلوب درامي ينتفض أحيانًا على الحداثة، وأحيانًا أخرى يعلن ثورته على المنهج القديم للرواية. فيضع القارئ أمام الحكاية بأسلوب روائي يشد أزره بتراثيات المجتمعات، عاداتها وتقاليدها، وحتى لهجتها، والمعاناة الكثيرة التي يتعرض لها الأكراد. كما يفتح روايته "أفيندار" على حياة الأكراد المجهولة بالنسبة للكثيرين، بمشاركتهم تقاليدهم وتمسكهم حتى بأبسط الأشياء. ولنعش مع أبطاله الواقع الكردي بكل تفاصيله في رواية "أفيندار"، ومع الروائي عباس جعفر الحسيني أجرينا هذا الحوار...

- لماذا "أفيندار" وماذا تعني؟

"أفيندار" هي كلمة كردية باللهجة الكرمنجية، ومعناها "عاشق"، وهي تعكس في زوايا كثيرة عشقي الشخصي والفكري والثوري والإنساني. هي ملحمة من ملاحم النضال الكردي في العصر الحديث، بعيدًا عن الكليشيهات والأدبيات والإسقاطات. هي ببساطة تجسيد لواقعنا وصراعاتنا، حبنا وأنانيتنا، والأقفاص التي سجنّا فيها عقولنا وأجسادنا. حيث لا يحررنا إلا العشق الإنساني الخلاق، وهنا نتحدث عن عشق واقعي، وليس أفلاطونيًا أو وهميًا تنظيريًا. بل العشق الذي يسير على الأرض بين البشر، الأرض، الطبيعة، والثورة.

- لماذا تطرح هذا الموضوع الشائك في رواية "أفيندار"؟

في البدء، وقبل الإجابة فعليًا، فإنني عادةً ما أطرح مواضيع شائكة في كل رواياتي. ففي "آخر أيام السكوكع" نقلت التراث العاملي وأرّخته، وتحدثت عن المرأة المظلومة في مجتمعنا الشرقي من خلال النساء العامليات، وطرحت إشكالية الغزو الثقافي للمجتمع الجنوبي، سواء بلباس عراقي أو إيراني، وهو ما قاومت تلك النسوة ضدّه من دون أي خلفية دينية أو إيديولوجية، بل بعفوية فطرية تمثل أولًا في رفضهن خلع المنديل الأبيض الطويل الذي تمتاز به بلاد الشام وفلسطين. في "رقص تحت أشجار الكستناء" كان سقوط الاتحاد السوفياتي والعلاقة مع اليهود. في "فتوى في بيت إبراهيم" كانت الفتوى الدينية وثورة رجال الدين والصراع الداخلي في الفكر الشيعي حول اعتماد منهج جديد، ولو بالعودة إلى حادثة تاريخية منذ أكثر من 100 عام. هنا أستذكر قول أحد النقاد: "عندما تقرأ للكاتب عباس الحسيني، عليك أن تتذكر أولًا أنك تقرأ للباحث". البعض يتهمني بأنني أهدم منهج الرواية القديمة، وهذا بحق اتهام يرضيني. فمن يقرأ من جيل اليوم ولماذا ننفر من الرواية؟ أليس بسبب هذا الوصف الممل المتعب الذي يحاول كل كاتب أن يطلق مواهبه اللغوية أو الفلسفية في رواية يحتاج من يقرأ اليوم إلى أن تكون سريعة ومشوقة ومفعمة بالأحداث، كما في السينما؟

لذا، في روايتي الحالية "أفيندار"، طرحت إشكالية العلاقة مع الأكراد، هواجسهم، أحلامهم، قمعهم، نضالهم الحالي، ودورهم في حرب سوريا والعراق من خلال شخصيات واقعية حقيقية. إذاً الرواية هي أيضًا، وكعادتي، رواية مستمدة من الواقع، علني بذلك أفتح ثغرة حب وتعايش بين مكونات بلادنا جميعها.

- في رواياتك غالبًا ما تلتقط التقاليد والمواضيع الاجتماعية المرتبطة بسلبيات كثيرة. ما الذي تريده من الرواية؟

الرواية في نظري هي انعكاس للواقع، حتى في اللغة. البعض يعتبر أن استخدام اللغة المحكية هو معاداة للغة العربية، لغة القرآن. وهنا أسأل: لماذا؟ ونادرًا ما وصلت الرواية العربية إلى العالمية، وحده نجيب محفوظ الذي سجل بيئة الحارات المصرية بثلاثيته الرائعة "قصر الشوق"، "بين القصرين"، و"السكرية". فيما عدا ذلك، باتت الرواية العربية بعيدة عن واقع الناس، كما في المسلسلات اللبنانية. فأنت تصغين للهجة غير موجودة في الشارع، اللهجة البيضاء أو ما يتفق عليه الجميع كاللهجة الموحدة للشارع اللبناني. الرواية العربية غاصت في إشكالية السرد الرتيب، وكأنها عرض ذاتي للكاتب، وهنا تقع في الانفصال عن أرض الواقع الذي أدى إلى هذه الهجرة من الجيل الجديد للرواية والأدب العربي. "أفيندار" رواية تشبهنا، هي عنا، عن بلادنا، عن لبنان وسوريا والعراق، عن الأكراد والعرب، المسيحيين والمسلمين، الشيعة والسنة، الدينيين واللادينيين. هي تلامس إشكالياتنا الفكرية والنفسية والإنسانية. تطرح أسئلة وتحاول الإجابة عليها، وتترك للقراء حرية البحث والاختيار والانتماء، وتضعه أمام مسألة عويصة يضطر من خلالها إلى التدقيق، عله بذلك يخرج من النمط الذي تربى عليه أو سجن بداخله.

- هل تتوقع أن تواجه الرواية انتقادات كثيرة؟

سألتني قبل عن الإشكالية في رواياتي، وهذه الإشكالية هي المسؤولة دومًا، والموجودة في كل رواياتي، وأكثرها في "أفيندار"، حيث أطرح نضال الأكراد في سوريا والعراق وتركيا، سبي الإيزيديات، الهجرة إلى أوروبا، سجون النصرة وداعش... كل هذا وأكثر ضمن عدة شخصيات حقيقية في الرواية، مستندة إلى أحداث واقعية. أريد أن أخبرك أن هذه الرواية وضعت بعد الاطلاع على عشرات الكتب، ومئات المقالات، والتسجيلات، والوثائق، والأغاني، والموسيقى، والأرشيف. هي نتاج جهد وبحث مضني، ومقابلات، وشهادات حية تم جمعها وتوليفها.

تم نشره في جريدة المدى عام 2017