قلتها بكامل طمأنيتي
قراءة في رواية "اختبار الندم" للروائي "خليل صويلح"
ضحى عبدالرؤوف المل
مشاهد مغزولة بأسلوب مجبول بفن السيناريو القادر على التنقل عبر المشاهد بخفة قلم يستهويه فن الكتابة، مع الإلمام بالفنون الأخرى من تصوير وتشكيل وأفلام وثائقية ومسرح، وكل ما من شأنه تنمية الثقافة في المجتمعات التي تبكي على الحجر وتنسى الإنسان، وما يحمله من معاني الحياة التي يحتاجها، ليحيا بعيداً عن الحروب بكل معانيها، من حروبه الداخلية في نفسه اللوامة وصولاً إلى المحيط الذي يعيش فيه لاجئاً، إلى الكثير من الكتب المقروءة، تاركاً لأسماء الكتاب وعناوينها دلالات كثيرة في المشاهد التي حبكها برمزيات يبحث من خلالها عن النارنج المغتصب الذي ابتعد من غير عودة. ربما! وهن المرأة التي تعيش هواجس الخوف من الآخر، ومن الفقدان لحريتها التي لم يصنها "خالد صويلح" في روايته هذه. بل! فاض منها منسوب ذكوري تغنى به. ليكون بذلك قد قتل مفهوم حرية المرأة تماماً بل! حصرها في تحرر غير آمن من الانزلاق نحو الهاوية التي تجعلها مشوهة في مجتمع ذكوري هو صاغه بقلمه دون التطلع إلى قدراتها الأخرى في العطاء الجمالي والعاطفي والتحرر من الأنا العليا الملموسة في روايته التي أخفى فيها الراوي وتركه يتخبط بين النساء. كما تتخبط سوريا مع أعدائها في الداخل والخارج. فهل رواية "اختبار الندم" الصادرة عن دار "هاشيت أنطوان" هي فعل ترجم في كتاب يحتوي على مشاهد الحروب في سوريا فقط؟ أم أنه يشير إلى الندم في حرب وقعت في بلاد الياسمين؟
من مخلفات الحروب في القرون الوسطى إلى مخلفات الحروب في العصر الحديث وتحديداً في سوريا، فمن قتل بغير رصاصة مات غرقاً في هجرة غير شرعية أو كالكتاب الذي ضاع من مكتبة روسي اهتم ببيع الكتب في حارات ضاقت بالعبثية في كل شيء، من اللغة إلى الإعلام المرئي والمكتوب، والصورة التي تحمل الخبر بحيثياته المختبأة في تفاصيل عدسة تخاف الظهور، بل! تجمع كل ما من شأنه أن يؤرشف الأحداث كرواية فوتوغرافية أخرى لها عدة أوجه فنية أو مناضلة في تحقيق إبراز الحدث أو التقاط الحياة من بين الركام بكل أنواعه. الحجر والإنسان والتراث الفني والطبيعة عبر متاهة تجمع المتناقضات في أحياء لملم من مشاهدها ما يؤمّن التكوين الروائي أو لسيناريو تركه عبر تقطعات مربوطة بخيط الندم الذي بدأ به شرحاً وانتهى به فعلاً. ليكون ما حدث في سوريا هو عبارة عن ندم مخفي في نفوس تذوقت مرارة الأحداث، وإنما بلسان القلم المدجج بتفاصيل المسلخ البشري، وثلاجات الموتى التي يتاجر بأعضائهم ساخراً من مفارقات الكتاب بين الغرب والعرب، بين من يكتب عن الحروب ومن يكتب عن الحياة الاجتماعية وهمومها، والفكر الذي تعيده كتبهم إلى جادة الصواب، وبهذا يكون كتاب "خالد صويلح" هو صرخة غضب لما يحدث في الوطن العربي بشكل عام.
دفن الماضي يعني الصفح عمن دمروا حيوات الآخرين، فهل الحاضر هو مقبرة كل ذلك حيث تصبح الحقائق طي رواية تحمل في تفاصيلها أحداث حرب لم تختلف في نهجها عن حروب العصور الوسطى، بينما الحرب الحقيقية هي حرب الصورة والسيناريو والفيلم الوثائقي وإبراز كل ما يمكنه الاستمرار عبر الزمن. ليكون كالمحاكاة التي تموت وتبقى بحيوية الحروب التي ينتقدها عبر رمزية تغيرات الفنانة التشكيلية التي اختلفت رسوماتها عن الماضي، بعد أن تحولت كائناتها الأليفة في لوحاتها إلى وحوش مفترسة، وبات كل مثقف يترجم الحرب بتأثراته الذاتية تبعاً لما يعانيه هو وأهله وجيرانه وأبناء وطنه، فهل ستقتل نارنج من سلمها إلى المحققين؟ أم ستبقى خيوط الحرب السورية بين أنامل الزمن والأعمال الفنية من رواية وتشكيل، وكل ما من شأنه حفظ هذه الحرب ومنع الآخرين من دفن أحداثها وصورها البشعة أو بالأحرى المشاهد المغزولة في رواية "اختبار الندم".
سيرة مشتهاة أو توثيق روائي لأحداث موجعة لامست الحس عند القارئ عبر تنقلات مع شخصيات نسائية تمثل كل منها صفة ما في داخل القارئ، لأنها خرجت من الحقيقة ومن شاشات الافتراض، والصور المحشوة في ذاكرة لم تنس معالم الجمال في سوريا المغتصبة الشبيهة بنارنج ومعاناتها الخارجية والداخلية النفسية منها والجمال العابق بالتاريخ، فهل يمكن ترميم الماضي كي لا يتم دفنه؟ أم إبرازه بطريقة حديثة يحتاج لورشات سيناريو متعددة، وإعادة بناء ما لا يمكن إعادته في الزمن نفسه حيث تآكل الندم في الذاكرة أو حيث تقاذفت الأفكار بعيداً عن الغراميات التي جعلها تخدم وجهة نظره، لوطن يمارس عليه شتى أنواع الغراميات التي من شأنها جعله نقطة ارتكاز لأطماع لا يمكن الخروج منها. إلا بالبحث عن ماهية حب الوطن الحقيقي في نفوس الشعوب.
مشاهد لنص تم تقطيعه إلى مراحل، لكل مرحلة مشهدها الخاص بها، وبثقة كبيرة جعلت من لغته الأكروبياتية المرنة سلاسة في تذوقها. لتكون بعيدة عن السرد الروائي، وقريبة من اللغة الصحفية وملامسة فن الخبر برؤية فنية من شأنها زيادة منسوب التخيل لواقع موجع، لكن ضمن أحكام السرد التي لم يفارقها إلا ليقترن مع الحركة اللغوية في تكوين المفاهيم التي أراد إيصالها إلى القارئ بحنكة كاتب أتقن الابتعاد عن الخيوط الروائية بدمجها مع الأساليب الأخرى في لملمة الأحداث وجمعها في "اختبار الندم".
Doha El MOL
في قراءة ثانية
"اختبار الندم": رواية بين الرمزية والواقع في صراع الذاكرة
قراءة نقدية في رواية خليل صويلح
تستحضر رواية "اختبار الندم" للروائي خليل صويلح صورًا دموية وحزينة، لا تقتصر على الحروب المتلاحقة فحسب، بل تلامس أيضًا تجارب إنسانية عميقة من خلال شخصيات تسعى للنجاة في عالم غارق في التناقضات. الرواية ليست مجرد سرد لوقائع عسكرية، بل هي محاولة لاختراق الروح البشرية في خضم الصراعات الكبرى، تلك الصراعات التي لا تقتصر على حدود الجغرافيا أو التاريخ، بل تمتد إلى الذاكرة الجماعية والفردية.
إعادة تشكيل الواقع: رؤية أدبية تتجاوز الظاهر
ما يميز "اختبار الندم" هو قدرة خليل صويلح على التلاعب بالبنى السردية ليخلق عالماً يتنقل بين الواقع والخيال، بين التفاصيل اليومية المريرة في سوريا وبين الرمزية التي تجعل كل مشهد محملاً بمعاني متعددة. الرواية لا تقدم لنا صورة عن الحرب من خلال المجازر والمعارك فقط، بل تسلط الضوء على الحروب الداخلية التي يخوضها الإنسان ضد ذاته، ضد خوفه من المستقبل وضد ماضيه الذي يلاحقه. صويلح لا يكتفي بتصوير الصراع العسكري بين الأفراد والجيوش، بل يرسم الصراع الأعمق بين الأمل والندم، بين الرغبة في النجاة وفقدان الأمل.
الشخصيات كمرآة للواقع الاجتماعي والسياسي
الشخصيات في الرواية لا تقتصر على كونها أدوات لتوضيح الإطار السردي، بل هي تجسيد حي للواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه سوريا. نارنج، الشخصية الرئيسية، تجسد الصراع النفسي والتاريخي لشعب كامل. هي ليست مجرد امرأة تُختبر في ظروف قاسية، بل تمثل الخوف الذي يعيشه الجميع في مجتمع يبحث عن هويته في خضم الفوضى. من خلالها، يقدم صويلح صورة مؤلمة عن المجتمع السوري، الذي يجد نفسه محاصرًا بين رغباته في التحرر ومخاوفه من الانزلاق في متاهات الفوضى.
اللغة بين السرد الصحفي والفن الروائي
لغة الرواية تمزج بين أسلوب السرد الروائي الكلاسيكي واللمسة الصحفية التي تضفي عليها طابعًا أكثر حيوية وواقعية. هذه اللغة، التي تتنقل بين التفصيلات الدقيقة والمشاهد القاسية، تعكس المعاناة التي يمر بها الأفراد والجماعات على حد سواء. من خلال هذه اللغة، ينقل صويلح لنا أحداث الحرب والألم بحرفية عالية، فيتخطى بذلك حدود الرواية التقليدية ليعبر عن واقع فني وصحفي يعكس قدرة الأدب على تسجيل اللحظات الأكثر إيلامًا في التاريخ.
ندم الذاكرة ورغبة الاستمرار
في قلب الرواية، يبرز سؤالٌ محوري: هل يمكن للإنسان أن يتجاوز فصولًا من ماضيه المؤلم؟ وهل يمكن له أن ينجو من ندم يعصف به على مدار سنوات طويلة؟ "اختبار الندم" ليس مجرد توصيف لمشاعر الفقد، بل هو دراسة في كيفية تعايش الإنسان مع ذكرياته وأزماته. تترك الرواية مساحة للقارئ للتساؤل عن إمكانية أن يتحرر المرء من الذكريات القاسية التي تحاصره، وهو ما يراه صويلح عائقًا كبيرًا في طريق الخلاص.
ختامًا: صرخة في وجه اللامبالاة
"اختبار الندم" هي أكثر من مجرد رواية عن الحرب، إنها صرخة من داخل الصمت العربي. هي دعوة لإعادة التفكير في كيفية سرد التاريخ وحفظ ذاكرة الأمم والشعوب التي عانت ولا تزال تعاني. هذه الرواية تنبش في جروح لا تلتئم بسهولة، وتجبرنا على مواجهة ما يخبئه لنا الماضي من آلام. لكنها في الوقت نفسه، تحمل بصيصًا من الأمل. فكما هو الحال في روايات خليل صويلح الأخرى، يظل هناك دائمًا شيء من النور في قلب الظلام، ذلك النور الذي ينبع من القدرة على الاعتراف بالندم، ولكنه في النهاية يبقى اختبارًا لا ينتهي.