الإنسانية الداكنة
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "أغنيات لم تعلمني إياها أمي" للروائي سلجوق ألتون
يحافظ الروائي سلجوق التون على معايير النمو الروائي المتأثر بطفولة تحمل تأثرات نفسية، ومخاوف صدرت من الأم الفاتنة التي ترعى ابنها وفق معايير الأمومة المرضية لذاتها، دون الاهتمام بحاجات الطفل النفسية، لتكوين شخصية قادرة على الخوض في المجتمع الإنساني الداكن، كما يصفه في قوله عن المسارح المحلية وإنسانيتها، وما بين الأمر والطلب طاعات نقدمها ينتقدها الروائي بفن ذي نبرة موجعة تعيدنا إلى الزمن العثماني، أو بالأحرى إلى حياة القصور، أو كما يصفها سلجوق التون في روايته البيوت التاريخية .
صراع نفسي وعقلي يعيشه القارئ مع البطل الروائي المفاخر بعثمانيته" ووجهت ضربتين عثمانيتين ثقيلتين لكل من رفيقيه الشابين" تاركا لعنصريته لونا إنسانيا وصفه منذ البداية مع الآخرين، ولو على مسارح المدينة، ورمزية الأزمة الكارثية وارتباطها بشاربين، وكأنه محقق يتحرى عن ضحاياه من خلال قوة الملاحظة والحدس البوليسي، ولو بحبكة روائية إيحائية في الكثير منها كارتكاب الإثم عمدا، والدخل القومي غير الموثق مع الاحتفاظ بالواجبات المقدسة والمهام الوطنية التي هي جزء من بوليسية الرواية، تعيد للأم دورها في التأثير على التربية ،لكن عندما فشلت أمي في أن تجعل زوجها العديم الجدوى وزيرا، أرادت التأكد من أنني سأصبح فيلسوفا" فهل الأم والأوطان توأمان لا ينفصلان عن حقيقة صلاح الأبناء أو فسادهم؟
تخيلات درامية لا تخلو من رسم سريالي في رؤاه الفنية الملامسة إلى خلق الشخصيات الروائية التي تهاجم الواقع وتنتقده، حتى الروائي نفسه، وكأنه ينفي وجوده بذاتية لها موضوعيتها في بناء التخيلات القادرة على شبك الأحداث التاريخية مع المواقع الأثرية من الأم والوطن وصولا للتأثير الشعبي المستسلم للأقدار، ولو بفلسفة ما ورائية، هي جزء من البنية النفسية للرواية التي يقودها كمخرج سينمائي يتبع خيوط قاتل يسكن داخل كل منا يعالجه من قضاياه النفسية، ويجعله يرى اختلال الحضارات التي تجهل تراثها الأدبي، كما تجهل تراثها التاريخي، وتتركه كنسيج تم تخريبه لتكون السلسلة من الأدلة التاريخية لتي يبحث عنها هي الحقائق المطموسة، والتي تجري عبر الزمن من خلال الحروب، ومن خلال إهمال الناس تراثها وحقها في التاريخ، فالمتاحف التي حافظت على نفسها رغم الهزات والزلازل هبطت سقوفها، لأنها لم ترمم كما ينبغي، فالإيحاءات في الرواية هي لوحة سريالية تركها تتوازى مع خاله سلفادور الذي يهوى رؤية اللوحات الفنية، بوليسية الرواية والبحث عن قاتل أبيه هي رمزية في البحث الزمني عن قتل وطني يرمز إليه سلجوق التون بأسلوب درامي مصبوغ بدماء باردة، ورصاصات كحبات الفول السوداني، وازدواجية إيمانية ترتبط بالتربية، وبالأم التي تمنح أولادها هوية الحقد، والانتقام حتى من أنفسهم، وفي المعالجة الروائية رؤية نفسية يخوضها القاتل بتشابه في الكثير من الأحداث حول العالم، والتحولات التي جرت كتحويل الكنائس إلى جوامع وبالعكس دون الانتباه إلى جوهر الإنسان عبر الزمان والمكان، وأهمية الحفاظ على الأدباء والموسيقيين والفنانين كتراث وطني أيضا، أو كجزء لا يتجزأ من هوية الحضارات التي ما زالت تحيا في ذاكرتها لوحات لبعض الفنانين أو لمقطوعة موسيقية أو للوحة في متحف يختزن ذاكرة الجمال التائه من بلادنا، فهل يحاول سلجوق التون إحياء الفكرة التي لا تموت، وتبقى في رواية تحمل سلسلة من الأدلة على وجود يريد له الحياة؟
أقدم معبد، وتخريب النسيج التاريخي، ومقبرة الجلادين، ونهاية تركها كتفاحات يوزعها بسخرية الجاذبية الروائية التي لا نفهمها كاملة ، لأنها متعددة الرؤى الإيحائية، وبرمزيات لها واقعها وحقائقها وسرياليتها التي يصعب فهمها، لأن القدر أيضا يصعب فهمه، وتفسيراته الغامضة التي تدهشنا، كما يدهش الروائي أبطاله تاركا للموت ترجمة لغة البقاء والعدم، أو البعث والتكرار، أو الحضارات التي تموت ، وهي أنقاض يتلاعب بها الزمن، وتبقى ضمن موسوعات نبحث عنها عند رؤية يعجز عن تفسيرها الناقد الفني، أو بروفيسور برع في ملاحقة الجمال والموت من أجل النفس وهواها، أو النفس الفاقدة للانتماء، وبذخها في حالات مرضية متعلقة بالزواج غير الناجح والعائلة، وتأثيراتها على الأطفال ممسكا بذلك بخيوط كثيرة ربما تشبه التفاحات التي وزعها بسخرية " ستسقط من السماء ثلاث تفاحات: واحدة للراوي، وواحدة للمستمعين، والأخيرة لمن يفهم." فهل تفاحاته هي تقسيم زمني منحه قيمة الرواية وقوة فهمها ، لأنها تحتاج إلى حكواتي يترجمها تعبيرا وتمثيلا وحركة تجعلها تحيا أكثر؟
رواية هي لغز يحتاج لفك شيفرات تختلف تبعا للقارئ وميوله ، لكنها تحتاج إلى أكثر من قراءة، ولبحث في قاموس كل دليل تركه على أيد خفية تعبث بالفكر والتراث والأثر الوطني، وبالإنسان وميول السريالية، وكأن الرواية كابوس يجسده عبر الأبطال الذين يتلاعب بهم ولا سيما النساء، سواء في اللوحات أو عبر الحياة، وكأنها هي أيضا ما يبحث عنه، ليكون في مأمن من التفكك الأسري الذي يعاني منه، وجعله قاتلا يمارس الأغنيات التي لم تعلمها إياه أمه، وهي صوت المسدس الذي يحاكيه كعازف يؤلف سمفونية الموت والحياة.
Doha El Mol