النفع العلمي المبني على أهمية الأدب في الحياة

ضحى عبد الرؤوف المل

نستثير المفاهيم الحياتية فنفصل بين العلم والثقافة، ونعطي للأدب صفة البذخ، مستندين إلى أحكام مرتبطة بالتراث الشعري ولغة البادية قديمًا. لكن، طبيعة الأدب الذي يتخذ من الحكمة سبيلًا له، هي حكمة تدعو إلى تعميق الحياة وربط المشكلات الاجتماعية بها. هذا جعل من قواميس الأدب بؤرة تحمل أفكار الأجيال على مر العصور. ومع ذلك، فقد حمل الأدب في طياته الكثير من الأفكار العلمية التي حقق بعضها، إن لم يكن معظمها، أهدافًا علمية. وكأن الأدب كان نبوءة لعلم يُقتدى به، ليجعل من خياله وسرياليته ورمزيته نافذة نتطلع منها إلى الزمن أو المستقبل. ومن خلال هذه النافذة، نزداد استمتاعًا بالرحلات الأدبية التي تنبثق منها النظريات العلمية التحليلية، وخصائصها المتعددة التي تدفعنا إلى إدراك ما فيها والتمعن بما تحمله من رؤى علمية ذات نفع. هذه الرؤى تولد من الأدب نفسه، ثم تنفصل عنه علميًا.

إن الأدب يُنجب العلم، بينما العلم لا يُنجب إلا العلم ذاته، حتى إذا وضعنا الأدب تحت المجهر العلمي الخاص. فالنظريات العلمية التي تعتمد على القوانين الصارمة ليست أقل صرامة من الأدب وقوانينه. لكن الفرق بينهما يكمن في أن النظريات العلمية لا تتسم بالتعاطف والوجدانية التي تجعلنا أصحاب قلوب مفعمة بالحياة، المرتبطة بالجمال، والتذوق، والحيوية، والتآخي، وما إلى ذلك من إنسانيات لها أسسها وأهمية في تعاملها مع الآخرين. إلا أن الجمع بين الأدب والعلم سيثري العلم ويجعل الأدب منارة له. وقد لمسنا ذلك في فيزيائية النصوص والقصائد، وحتى الروايات المبنية على الخيال العلمي أو على نظريات علمية ترتبط بشدة بالعلم ومقدار نفعه على البشرية. ولكن إذا لم يرتبط الأدب بالعلم، فإنه سيكون بمثابة قنبلة ذرية تنفجر في رأس البشرية، مما يؤدي إلى هلاك كل من العلم والأدب، بل والثقافة الإنسانية التي تعتمد عليهما. فهل من نفع علمي بحت دون أن يهتم الأدب بتشذيبه، أو بالإمساك بضمير العلم الذي نشأ منه؟ وهل يمكن جمع بين الاثنين كتوأمين لا يمكن فصلهما عن بعضهما؟

إن علماء الأدب هم من وضعوا نهج مسيرته العلمية والأدبية، لأن العلم اشتق من الأدب وخرج من عباءته وتدثر بها. مما ترك الأدب عارياً، خصوصًا في الآونة الأخيرة، حيث تسلل إليه دخيلون من زواياه المختلفة دون الإلمام به أو التمسك بالمبادئ التي نشأ منها، تاركين الأبواب مشرعة لكل ما هب ودب. وقد تراجعت المستويات الأدبية وعادت بنا إلى زمن لا نسب له. فالعلم الذي خرج منه الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم، لا يمكن إلا أن يكون هو العلم الأدبي المتزين بشمولية الثقافة، والنهل منها، وباقي الفروع التي ما زال الغرب يبحث فيها ويضع كل كلمة يستخرجها من منجمها تحت المجهر، للبحث والتمحيص واستخراج مشكاة النور منها التي تكاد تنطفئ في زماننا.

لهذا يبذل الأدب جهده للحفاظ على استمرارية بقائه من خلال تمسكه بالمفاهيم الكونية والحياتية المطلقة التي تدعو إلى التفكر والتحليل والاكتشاف، الذي يأخذ في اتجاهه المنحى العلمي. لكن الارتباك الذهني المعاصر وتذبذب اللغة، والابتعاد عن جدية الأدب، والعودة به إلى البحث والكتشاف والحفر في آباره الوجودية، جعل منه زاوية يتصارع عليها من بقي في صفحات الأدب، كالطيف المضيء الذي يحاول لفت الأنظار. إذ تحافظ ضوابط الأدب على مشروعية الحياة، بينما العلم يأخذ منها الرحمة، إذا لم نُشد أزاره بالجمال والرقة والفن الذي يثير رغبة التأمل والتفكر في مراحل العلم المتعددة التي تكاد تكون أيقونة الأدب عندما نستخرجها من قصيدة أو رواية أو حتى لوحة فنية تحمل في طياتها الرموز التي يستطلعها الإنسان. فما بين الأهرامات ولوحة الموناليزا، نجد الفهم المطلق للنفع العلمي المبني على أهمية الأدب في الحياة.

تم نشره في جريدة الصباح