المؤلف رامز مصطفى الجبارين في حوار خاص: "نحن بحاجة دائمًا للتجديد والثورة في تفاصيلها وعناوينها، وفي مقدمتها الثقافة"
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
يتضح "ألق الصمود" وقوته وإصراره في كتاب "ألق الصمود" للمؤلف رامز الجبارين بفكر زاخر بالتحليل والوقائع، وبعمق شديد حرص من خلاله على كشف العديد من المواقف بأبعادها وتجلياتها السياسية المرتبطة بألق الصمود وخزين الذاكرة دون مغالاة بالعاطفة، بل بإبراز الحقائق والوقوف عندها بمقتضى القضية الفلسطينية والحرب على غزة التي منحها الأضواء بأسلوب خاضع للمنطق والموضوعية. ومع الكاتب ومؤلف كتاب "ألق الصمود" رامز الجبارين أجرينا هذا الحوار...
_ مربع التسوية، وإشارة إلى كارثة وطنية، لماذا "ألق الصمود" ومربع التسوية والقلق من كل ما جرى ويجري؟
بداية، أشكر لك هذا اللقاء الهادف. أولًا، وراء عناوين تقتضي مسؤولياتنا من خلال الإجابة عليها إبقاء الأضواء مسلطة على عدوان متمادي لكيان غاصب منذ ما قبل نكبة الشعب. وثانيًا، أن المقابلة تأتي متزامنة مع الذكرى التاسعة والستين على قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني عام 1947، والصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت الرقم (181)، والذي حولته المنظمة الدولية يومًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، في خطوة لا تخلو من رشوة وذر الرمال في عيون شعبنا الفلسطيني.
في العودة للسؤال، من المعلوم أن قوانين الصراع قد حددت أن المعارك أو الحروب عندما يقررها أحد طرفي الصراع، فإنها تهدف إلى تحقيق سلة من الأهداف العسكرية والأمنية والسياسية وحتى النفسية. وهذا ينطبق على حكومة الكيان الصهيوني بقياداتها المختلفة مع كل حرب تُقدم عليها، سواء ضد قوى المقاومة في قطاع غزة من خلال ثلاث حروب شنتها في الأعوام 2008–2009، 2012، و2014، ومن قبلها على لبنان وحزب الله في العام 2006، والعديد من الدول العربية المحيطة بفلسطين (سوريا – مصر – الأردن)، والبعيدة عنها (العراق وتونس والسودان نموذجًا). والهدف الذي تقاطعت عنده تلك الحروب هو إخضاع المنطقة وقوى التحرر الوطني والمقاومة فيها، وبالتالي فرض التسوية السياسية من خلفية رؤيتها لتلك التسوية وبشروطها. وعندما قررت حكومة نتنياهو شن الحرب على قطاع غزة في تموز 2014، وبتشجيع من الإدارة الأمريكية، وبالاستفادة من الأحداث والحرائق التي تشهدها المنطقة منذ ما سمي زورًا بـ"الربيع العربي"، كانت هناك سلة من الأهداف الآنفة الذكر، تريد من خلالها تلك الحكومة الغاصبة للأرض الفلسطينية أن تحقق إنجازًا عسكريًا ينتهي بهزيمة قوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وبالتالي قصم ظهرها ومن خلفها كسر البيئة الحاضنة لتلك المقاومة وكتائبها. ليكتشف العدو الصهيوني أن آلة عدوانه وقتله وتدميره للقطاع وارتكابه المجازر على مدار 55 يومًا، لم تحقق له أي إنجاز عسكري يُعتد به على أساس أنه المنتصر.
- هل هو الصمود الأسطوري؟
والصمود الأسطوري الذي أبدته المقاومة وكتائبها المسلحة، والأمر موصول بالبيئة الحاضنة لتلك الكتائب المقاومة، كان ولا يزال صمودًا تألق من خلاله الشعب الفلسطيني، ليُسجل على صفحة من صفحات الصراع مع العدو وكيانه الغاصب أنه انتصر رغم التضحيات الجسام في الشهداء والجرحى، والدمار الهائل في البنى التحتية. فكان الكتاب في عنوانه الأول "ألق الصمود". أما وإن كانت نتائج الحرب لا تتناسب مع مجريات ما استتبع تلك الحرب المدمرة من سياقات سياسية وعسكرية وأمنية، فإنها لم تدفع حكومة العدو ورئيسها وجنرالاته القتلة إلى دفع الأثمان السياسية، بسبب الإحاطة الشاملة من قبل الإدارة الأمريكية وحلفائها وأدواتها في الواقعين الدولي والإقليمي للكيان الغاصب، وحمايته من المساءلة القانونية والأخلاقية عما ارتكبه من مجازر أثبتت نتائج التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الدولية بشأن غزة تورط الكيان في ارتكاب المجازر التي ترتقي إلى جرائم حرب. وبالتالي مجيء روبرت سيري كممثل كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة لعملية السلام، ليُشرف على عمليات إعادة بناء القطاع وفق خطة سميت بخطة سيري، وما تضمنته هذه الخطة من نقاط تتقاطع في مجملها على التضييق على المقاومة، ومقايضة سلاح المقاومة بإعادة الإعمار ورفع الحصار، إنما يُدلل على أن قلقًا داهما على القطاع ومقاومته وأهله بدأ يتسلل من خلال الأفكار والنصائح التي قدمها عدد من القادة العسكريين والأمنيين في الكيان، وعدد من الباحثين في مراكز الأبحاث، وهذا ما ذهب إليه الباحثان "جلعاد شار وليران أوفك" من مركز أبحاث الأمن القومي الصهيوني وقالا: "إن إعمارًا مدروسًا وموزونًا لغزة من مصلحة إسرائيل حاليًا، لأن ذلك سيقلل من رغبة حماس في فتح مواجهة جديدة"، واعتبرا "أن المقاومة وضعت رفع الحصار وبناء الميناء خلال الفترة المقبلة كهدف أعلى ومستعدة في سبيل ذلك لهدنة طويلة الأمد". وفيما بعد تزايد الحديث عن سلة مغريات وحوافز يقدمها الكيان في رفع الحصار وبناء الميناء والمطار وإعادة البناء مقابل هدف واضح تهدئة مستدامة توصل فيما بعد إلى سلاح المقاومة والانتهاء منه. وهذا يُشكل قلقًا حقيقيًا وجديًا على المقاومة واستمرارها وتطور أدائها. وهذا يُجيب على السؤال الثاني أيضًا، حيث أن الفكرة المراد إيصالها هي أن ألق الصمود الذي حققه الشعب الفلسطيني ومقاومته على أرض قطاع غزة، سيبقى في دائرة الخطر من الأفكار والطروحات التي يعمل عليها فريق سياسي دولي وإقليمي.
- رامز جبارين ما الذي تغير منذ الحرب على غزة 2014 حتى الآن؟
مضى على الحرب العدوانية التي شنتها حكومة الكيان الصهيوني سنتين، وليس بتقديري أن هناك أشياء قد تغيرت، فلا يزال الحصار الخانق قائمًا، وقوات العدو الصهيوني لا تزال تقبض على المعابر التي تربط القطاع بأراضي فلسطين المحتلة، ويمنع إيصال مستلزمات وحاجات واحتياجات أهلنا هناك، بما فيها مواد البناء. ناهينا عن تزايد البطالة وضيق المعيشة، حيث ارتفع عدد الذين يودون الهجرة إلى خارج القطاع. مع استمرار المحاولات السياسية الهادفة إلى استدراج حركة حماس إلى منزلق التسوية عبر حوافز قد ذكرناها سالفًا. وإذا كان هناك من تطور يُعتد به هو أن المقاومة تعمل على تطوير قدراتها استعدادًا لمواجهات عسكرية قادمة، طالما أن الصراع لا يزال مشرع الأبواب مع الكيان الغاصب. مع قناعتنا أن العدو ومن خلال اعترافات جنرالاته استحالة إلحاق الهزيمة بالمقاومة، وأية عملية عسكرية واسعة محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج المرجوة.
- ذكرت الحجر والتظاهر والفن والأدب، إلى أي مدى استطاع الأدب والفن الوصول إلى لب المقاومة الفلسطينية؟
في السياق الكفاحي الطويل لشعبنا الفلسطيني الممتد منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، وتحديدًا منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في العام 1965، كان للفن والأدب، ومن ثم التظاهر والحجر، واليوم الدهس والطعن، دور مميز في سياق نضالنا وكفاحنا، فالمقاومة لها أشكالها المختلفة وممارستها طبقًا للظروف. منذ العام 1929، الشعب يخوض نضالًا بكافة الوسائل والأساليب، وإن كان الكفاح المسلح في مقدمة كل أشكال المقاومة، والتاريخ الفلسطيني مليء بتلك الصفحات من مقاومين بالفن والأدب والرسم، أمثال غسان كنفاني وسميح القاسم ومحمود درويش وفدوى طوقان وتوفيق زياد وتميم برغوثي وناجي علوش وكمال ناصر وناجي علوش... والقائمة تطول من الشعراء والأدباء والفنانين والرسامين التشكيليين والإعلاميين والصحفيين. لذلك نعم، هناك تكامل بين المقاومة والفن والأدب الذي وصل إلى لبها، وبدوره أوصلها إلى كل بيت ومدينة ودولة، وهذا ما أزعج العدو الصهيوني ولجأ إلى اغتيال الكثيرين منهم. حتى أن رماة الحجارة والمتظاهرين في الميادين هم في وسط ولب المقاومة، وأحد أشكالها الأساسية التي تطبع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة. لذلك لا أجد أي فصل ميكانيكي بين كل أشكال المقاومات، وهي من حق شعبنا أن يمارسها حسب الظروف المتاحة كما أسلفت. ولكن استوقفني قبل أيام مصطلح لم أجد له أي تفسير أو شرح، والذي جاء على لسان أحد قيادات السلطة الفلسطينية، وهو "المقاومة الشعبية الذكية"، والذي رأيت في طرحه أن هناك من يريد القول أن المقاومات السابقة كانت غبية، وأتمنى أن أكون قد أسأت فهمها على هذا النحو!
- نظرية كي الوعي، ألا تستحق انتفاضة ثقافية بجهود تؤتي فعلها في صناعة الثقافة والاهتمام بالفكر والوعي؟
العمل على كي الوعي الفلسطيني، يأتي في سياق العدوان الذي يشنه العدو الصهيوني علينا كفلسطينيين، وهو أي العدو وقادته لطالما راهنوا على ذلك ولكن من دون جدوى، فهم راهنوا أن كبارنا سيموتون وصغارنا سينسون، وهذا ما لم يحصل. بعد 69 عامًا على نكبة شعبنا في العام 1948، لا تزال القضية الفلسطينية تعيش في تفاصيل حياة الفلسطينيين، وعدونا يخسر الرهان تلو الرهان في إمكانية كي وعينا. وطبعًا نحن بحاجة دائمًا للتجديد والثورة في تفاصيلها وعناوينها، وفي مقدمتها الثقافة، وإعطاء الأولوية من أجل الاهتمام بالفكر وصقل وعينا ومده على الدوام بروح الثورة المتجددة بهدف حماية الرواية الفلسطينية، حتى لا يعمل العدو الصهيوني وكيانه الغاصب على كيه وتشويهها لصالح روايته المختلقة والمزورة. وقد عبر عن ذلك "ألوف بن"، محرر صحيفة "هآرتس" العبرية، عن أن الصراع بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" قد انتقل إلى الأراضي الفلسطينية المغتصبة في العام 1948، منذ التوقيع على اتفاقات "أوسلو" عام 1993. وحدد ألوف بن بالضبط أن الصراع يتمحور على مسألتي الوعي والرواية، الأمر الذي عملت "إسرائيل" منذ عقود اغتصابها لفلسطين على طمس الرواية وثقب الوعي المستند على داتا الذاكرة لدى الشعب الفلسطيني.
تم نشره في مجلة مشارف عام 2017