المعايير الجمالية للباليه الحركي والفنتازيا الساحرة في مسرحية "بيتر بان" للموسيقي فيليب فيني
ضحى عبدالرؤوف المل
استطاع "ميشال بنك" (Michel Pink) منح الكوريغرافيا المسرحية لباليه "بيتر بان" (Peter Pan) حيوية متجددة، تبعًا لموسيقى "فيليب فيني" (Philip Feeney) وتقنياتها الحركية المتصلة بالأداء الفني والتعبيري، والشعوري المرافق لعناصر الدراما الراقصة، والخفيفة بصريًا على الحواس. تتميز الجمالية بالتنوع المتوافق مع مميزات هذه المسرحية ورقي التصميم والإيقاع الراقص، والحركات المتوازنة مع مضمون قصة "بيتر بان" التي يؤديها ثلاثون راقصًا، وبسحر فنتازي لمغامرة لطيفة تحاكي الخيال الطفولي الذي يجذبنا إلى قلب الواقع المتمرد على الوجود. القصة، التي كتبها "جيمس ماثيو باري" في رواية "بيتر بان وويندي"، عشق مغامرتهما الأطفال، واليوم تجسد على المسرح برقصة تعبيرية حركية تتماشى مع السمع والبصر، وتجذب الحواس التي تنجذب أيضًا للأضواء والديكور والملابس. فهل يمكن بث الجمال مجددًا لأطفالنا عبر هذه الفنون التي تسعى لترسيخ مفاهيم الجمال والحب والسلام في نفوس الأجيال؟
الولد الذي لا يكبر أو الذهن الذي يسترجع أهم تفاصيل أمنيات الطفولة ينعكس على المشاهد بنسبة عالية، مما يجعله متوثبًا ذهنيًا لاستقبال الحركات التعبيرية المشحونة موسيقيًا بتناغم سلس. هذا يساعد على تنشيط الحواس التي تستقبل المضمون عبر أحلام اليقظة والتقنية المسرحية، المكملة للقصة ولرقص الباليه في مسرحية قادرة على بث الفرح في النفس، لما تخفيه من معاني مخفية داخل كل مشهد من مشاهد هذه المسرحية الحاملة لرواية أدبية كتبها "جيمس ماثيو باري" بسرد متخيل لا يخلو من قرصان ومواجهة لا بد منها في الحياة. ليستكملها الإنسان بوعي لا ينغص روح الإنسان التي تبدأ منذ طفولته وترافقه في رحلة تشبه قصة "بيتر بان"، والباليه الذي يوضح عملية النضوج بعيدًا عن العزلة والتوحد والقدرة على الخروج من الأزمات بروح عالية تهدف إلى الضبط النفسي للسيطرة على المشاكل والخروج منها. فهل استطاعت مسرحية "بيتر بان" أن تعيدنا إلى الطفولة أم أن الخروج من المخططات الشريرة بروح إنسانية عالية انبثقت من حكاية ذات حبكة فنتازية؟
مارك بتروسي (Marc Petrocci) و"ويندي ديرلنغ" (Valerie Harmon) يكتشفان الكثير من التفاصيل في الحكايات التي ترويها، ليؤمن بيتر بجنيات الحكايات في حركة مسرحية تنصهر مع المضمون ورشاقة الرقص، وسرعة التغييرات الديناميكية بتحديث مسرحي ملفت مع المؤثرات البصرية المرافقة لتفاصيل القصة عبر باليه إيحائي إيمائي رمزي تعبيري. هذا يضعنا أمام مرآة أنفسنا، وتأخذنا إلى براءة الطفولة وهي في طور النضوج، والفهم لاكتساب مفاهيم الصراع بين الخير والشر وانتصار الحلم، ومن ثم العودة إلى الواقع بثبات ويقين في أنفسنا، وبظواهر غريبة أسطورية ترافقها الموسيقى التصويرية في المشاهد المحبوكة بصريًا بالألوان والديكور والأضواء المساعدة في التغلغل داخل المسرحية، وفهم الخطوات الراقصة القلقة والفرحة والحالمة، والغاضبة والمقاتلة والشرسة والحكواتية، لتصقل كل هذه المفردات خشبة مسرح ميلووكي (Milwaukee Ballet) المشدود بخيوط قصة تشويقية تنتمي إلى عالم الفنتازيا والخيال، لطالما قرأناها واستمتعنا بثقافتها الغنية بالأدب والحوارات الشيقة التي استطاع تحويلها مارك وويندي إلى حركة ذات جمالية خاصة.
السؤال الذي جعلني أطرحه على نفسي بعد مشاهدة هذه المسرحية هو: هل يمكن العودة بأطفالنا إلى الحاضر عبر مسرحية من الماضي؟ وما هي إلا جزء من صراع الخير والشر؟ وإلى متى ستبقى مسارحنا غير قادرة على فتح تقنيات بصرية عالية الجودة تجعلها تزدهر وتشهد الكثير من المتشوقين لهذا الفن، وخصوصًا الأطفال، جيل الغد؟ مسرحية ذات سحر فنتازي معاصر لقصة أدبية قديمة تشكل نافذة نحو القديم الجديد، لتتخطى المألوف بغير المألوف على المسرح دون الانفلات من القواعد الأساسية للباليه وتسلسل أحداثها موسيقيًا وإيقاعيًا ورقصًا دون كسر القوالب الفنية لهذا الفن الراقي الذي نأمل أن يعم مسارح مدارسنا بإيجابياته ورؤيته الأدبية، وحتى الثقافية والفنية المتلازمة مع الموسيقى ومعاني مشاهدها المرتبطة تصويريًا مع الحركة وأسسها.
ملاحظة
تناولت معايير الجمالية للباليه الحركي والفانتازيا الساحرة في مسرحية "بيتر بان" التي أخرجها ميشال بنك، مع التركيز على التناغم بين الحركة والموسيقى والتصميم المسرحي. وتستعرض المقالة طريقة تفاعل الحركات التعبيرية في الباليه مع الموسيقى والمؤثرات البصرية، وكيفية تفاعل تلك العناصر مع مضمون القصة التي تسرد مغامرات بيتر بان وويندي. إليك أبرز النقاط التي يمكن التركيز عليها:
التنسيق بين الموسيقى والحركة: تناغم حركات الباليه مع موسيقى فيليب فيني يعد أحد الركائز الجمالية التي تساهم في تعزيز التجربة البصرية والسمعية. هذا التناغم يساهم في تعزيز المضمون العاطفي والمفاهيمي للقصة، ما يجعل العرض قادرًا على جذب انتباه الأطفال والكبار على حد سواء.
الفانتازيا في العرض: المسرحية تقدم عالمًا فانتازيًا محملاً بالرمزية والتعبير الحركي. التغييرات الديناميكية السريعة في الحركات الراقصة تجسد الحياة الداخلية لشخصيات القصة، بينما يتم تعزيز هذه التغيرات بواسطة المؤثرات البصرية والموسيقى.
المعاني الرمزية للصراع بين الخير والشر: كما في القصة الأصلية لجيمس ماثيو باري، يعكس العرض صراعًا مستمرًا بين الخير والشر، ويجسد النضوج الذي يعايشه الأطفال في رحلتهم نحو الاستقلال عن عالم الخيال، ليواجهوا تحديات الحياة الحقيقية بثقة ووعي.
أهمية الباليه للأطفال: تتساءل المقالة عن إمكانية استخدام هذا النوع من الفن لتوجيه الأطفال إلى مفاهيم الجمال والسلام والحب، من خلال عرضه على خشبة المسرح الذي يقدم تجربة تجمع بين الفن والحركة والرؤية الأدبية.
التقنيات البصرية والتفاعل مع الحواس: تركز المقالة على أهمية الديكور، والإضاءة، والملابس في تعزيز الجمالية البصرية للعرض، وكيفية تأثير هذه العناصر على التفاعل الحسي لدى الجمهور، مما يرفع من قيمة التجربة المسرحية.
التأثير الثقافي والفني على الأجيال الجديدة: تشير المقالة إلى أن المسرح يمكن أن يكون أداة فعّالة في نقل القيم الثقافية والفنية إلى الأطفال، من خلال مسرحيات مثل "بيتر بان"، التي تسعى إلى بث الفرح والوعي بالحياة بطريقة مبتكرة تجمع بين الأدب والفن البصري.
بإجمال، المسرحية تنجح في تقديم قصة كلاسيكية بطريقة معاصرة، حيث تلتقي الحركات الراقصة مع المؤثرات البصرية لتخلق تجربة فنية مشوقة وغنية. هذه التجربة قد تكون مدخلًا رائعًا لإعادة الأجيال الجديدة إلى التفاعل مع الفنون الراقية مثل الباليه، وتقدير قيمها الجمالية والفنية.
تم نشره في جريدة المدى العراق