جذوة جمر صغيرة

قراءة في رواية "تحت المعطف" للروائي "عدنان فرزات"

ضحى عبدالرؤوف المل

يتساءل القارئ عن عنوان رواية "تحت المعطف" للروائي "عدنان فرزات"، فالعنوان يحمل في طياته العصف الذهني الروائي المبني على الغموض بتسلسل يشبه وردة تتفتح أوراقها تبعًا للنمو الزمني الطبيعي الذي يرسمه القدر للإنسان الممسك بمقود يحاول من خلاله الحفاظ على سرعة متزنة. ليحافظ بذلك على البقاء، وإن برمزية بدأت من السنونو نحو الأشياء التي نفارقها إلى نزيهة، المرأة التي طحنها القطار كما طحنتها الحياة التي تناقلتها الأماكن عبر زمن وآلام موجعة. "نحن اليساريون بإمكاننا أن نشعر بعظمتنا بمجرد الفوز بأشياء تبدو للآخرين صغيرة، لكنها بالنسبة لنا هي إنجازنا الأكبر في الحياة". فهل يمكن أن يكون الإنجاز الأكبر للإنسان هو العيش بين الزوايا كالفئران ليقي نفسه شرورًا تحيط به، وخاصة المرأة، الكائن الأضعف في الكيان الإنساني؟

تعيش نزيهة الخوف من المجهول أو الخوف من الانتقال الذي أُجبرت عليه هربًا من أم وسوء تصرف المرأة مع المرأة أو تلك التي تصبح طباعها قاسية لما تعرضت له في الحياة، وكما يقول الروائي في رواية "تحت المعطف": "لا يُطفئ الخوف إلا خوف أكبر منه". فخوف العربي في الغربة أكبر منه في الوطن، لأن العربي يصبح في بلاد الاغتراب وسيلة لتحقيق المآرب الشريرة والطموحات المجهولة والسرية الممهورة بختم الموت والتفجير، لتحقيق علامات استفهام لا تسمن ولا تغني من جوع. بل! تضيف على الفقير فقرًا وتعبًا واستهتارًا بوجوده البسيط أو الوجود غير المسيطر عليه، لأنه يصبح كالسنونو في قفص الحياة المغلق على الفكر الذي يهدف إلى النجاة أو الرحيل حيث المجهول، وكأن ما وراء البحار يختلف عن الوطن الذي نتركه. فهل الهجرة في الزوارق التي يموت فيها المهاجر غير الشرعي تحمل الحياة لمن يموت غرقًا؟

هجرة، خوف، معاناة، ألم، وجع، تشتت، ومن ثم الموت. فالمخيلة الروائية واقعية، بل! وأكثر من ذلك لنشعر أن ما تحت المعطف أخطر بكثير من الإنسان الذي يرتديه ويسير به في طرقات مليئة بالبشر، وكان رحم الأرض يتضور جوعًا لضم الأجساد التي تسير عليها أو تنام على أرصفتها، كامرأة الرصيف الشبيهة بالطفلة. "الأرحام في هذا الزمن الذي يبعثرنا كعقد فرطته طلقة من جيدها بعد أن كاد يخنقها". عقد روائي متماسك الحبكة بسيط في تطلعاته الإنسانية التي أعادتنا إلى الزمن الفرعوني والأسرار الهرمية التي طرأ لها "عدنان فرزات" بإيحاء رمزي للعين السرية التي ترى الإنسان وتسيطر عليها، كجماعات سرية لا يعرف حتى أفرادها بعضهم البعض، لأنها تهادن البشرية لتدمير ما يمكنها تدميره من الوجود الإنساني المبني على التجنيد أو على صنع الدمى البشرية التي يتلاعب بها صناع الشر في العالم، وبأسلوب روائي لم يخرج من عباءة الأدب الروسي وقدرته على التفكير والتصوير واستخراج الواقع من المتخيل، وبلغة اجتماعية تلامس الطبقات الاجتماعية كافة.

حياة فعلية واقعية ترصد الأحداث الأساسية الملموسة من هجرة عامة لأفراد فقراء يسيطر عليهم اليأس والاندفاع، وللمرأة بشكل خاص التي تقع فريسة الغرب وقدرته على تغيير المرأة، وإن كان بشكل جزئي، لتعتمد على نفسها ربما! بالمظهر والتعاطي وما تكتسبه من قساوة فيما بعد كعاتكة. وربما بالروائي وفراسته التي لم تجنبه من الحلم بكحلاء الشبيهة بالوطن أو بالمدينة الفاضلة والمرأة المثالية أو الحبيبة المفقودة في زمن لا سلام فيه ولا محبة، بل هو الانطواء أو العودة إلى قوقعة شديدة القساوة لا تشبه السنونو الطائر المهاجر الذي مات في قفص الحياة ودفن في أرض الغربة كما نزيهة التي شكلت نجاتها من البحر مجموعة من الأحداث التي غيرت مسار حياتها، التي انتهت بالموت في حقيقة واقعية قاسية على القلوب، وبأحداث تتسرب إلى الوجدان بمنطق العقل الروائي الذي حافظ على وتيرة الحكمة والجملة الشاعرية في مكانها المناسب لتأخذ المعاني مكانها المناسب داخل المشهد الممزوج بالسرد المتسم بالبلاغة، مما يعكس قيمة البيئة الروائية التي خرجت منها عاتكة ونزيهة والبطل الروائي المهاجر كالسنونو الذي وجد من يكفنه ومن يدفنه، وربما لن يجده الراوي.

تم نشره في جريدة المدى