قراءة في رواية "لي موعد مع القدر"
ضحى عبدالرؤوف المل
أن تكون الرواية سجن الحبيب الذي تخاذل وخاف من الحب الكبير، فهذا نوع من الانتقام الأدبي الذي يؤدي بصاحبه إلى نوع من الكتابة الوجدانية المتعلقة بالأحداث القريبة والبعيدة من الأبطال التي رسمها القدر، القادر على خلق الأبطال، وبدهشة الروائي نفسه الذي يعيش حالات الأبطال الروائية، كما نعيش نحن مع أبطال القدر المذهل في خطوطه الإنسانية بكاملها دون انتزاع مفاهيم الإثارة والتدرج الروائي بعيداً عن التعاطف مع الأبطال كافة، وبحيادية لم يبتعد عنها المؤلف منذ مقدمة الرواية التي يقول فيها لحبيبته: "سوف تنسيني، وفي كل لحظة نسيان ستعود كلماتي لتذكرك بجبنك وهروبك وضعفك وتخاذلك وخيانتك". فهل الورقة الأخيرة من الرواية هي بداية عاصفة في "موعد مع القدر"?
رواية من تأليف الكاتب "إبراهيم عيسى" بعنوان درامي "لي موعد مع القدر"، صادرة عن "دار الفارابي"، بأسلوب وجداني يوحي بالقوة في بداية غسل فيها يديه من آثار الجريمة التي يظنها القارئ جريمة الكتابة عن حبيبة سينتقم منها القدر. لأنها أصل الجريمة التي يؤكد من خلالها على أنها الدافع الأساسي لكتابة هذه الرواية العابقة بالحب القاتل عبر الكلمات الموشاة بتعابير هيستيرية حيث "رمى أشياءها، ولكنه لم يحرقها هي". وهي عبودية من نوع آخر شبيهة بعبودية الكتابة وطقوسها التي يمارسها، ليتلمس مواطن خيالاتها التي تظهر في تعابير تخرج من بواطن النفس العاشقة لهذه الحبيبة بزمهريرها الحاضر في غيابها عنه عبر تفاعلات الجملة القصيرة التي يستخدمها كجملة شعرية أحياناً في بناء روائي يقتطف منه القارئ الأحاسيس المشتعلة أو القاتلة، بتعاطف مع هذا البطل الذي يحتفي بحرق مجازي هو كنه وجودها الذي يعجز عن حرقه في داخله. ليمارس "إبراهيم عيسى" نوعاً من الفضفضة التعبيرية التي يتساءل فيها عن الكتابة وأسرارها ومهبط وحيها وأعاجيبها، وقدرتها على إعادة الحياة لمن ماتوا ظاهراً وهم في داخل الروح تعشش ذكراهم بتفاصيلها المريرة على النفس، وهو كما يقول: "ككل كاتب كاذب يتملق الكلمات ليزور الحقائق، فكل كاتب في داخله نوع من التزوير". فهل من تزوير في القدر الذي يجعل من الكاتب متوجعاً كقاتل يمارس مازوشية لينتقم من حبيبة ستقرأ روايته وتعود إليه؟ فهل يراوغ الكاتب ذاته في ذلك؟ أم هي مراوغة لتغادر الحبيبة بلا عودة ويستلذ بمعاناة الألم والمرارة؟
لوحة المسيح والفنان شيرزاد ومعاناة الفن في رمزية اختلطت فيها معاناة الإنسانية برمتها ومشاكلها الاجتماعية التي تنتمي إلى الوجدانيات بالدموع والمخاوف، كالذي يبرم عهداً مع غيمة لا يدري أتمطر أم تمضي أم تبقى خالية جافة! يراها من بعيد دون أن تكمل مسيرها بعيدة عنه ولا أن ترافق أحلامه التي باتت تقاتل بعضها البعض في جنون أشبه بلعبة كرّ وفرّ وبخنجر سام تلوح به في أفق الرواية ليجمع أحاسيس القارئ الذي تحسس ضعفه نحوها وقسوته على نفسه وبقدر ربما! أبعدها عنه لتكون بمأمن من رجل يحاول التقاط التعابير ليبثها سموم المعنى، ويلتقط من البحر حوريات أخريات يتذوقن عذابه وينتقم منهن بهن من أجلها، من أجل ذلك الموعد مع القدر؟ فهل نجح "إبراهيم عيسى" في روايته المختلطة بالشاعرية والمشحونة بالوجدانيات في منح الفعل الروائي حيوية الكتابة الخالية من الأدناس؟
كاتب يحتفي بنفسه ويزهو بروايته أمام امرأة تخطو نحو قلبه آتية من المجهول، لتحتل مكاناً لم يُحجز لها فيه، لأن ابنة خالته لم تهتم بروايته، ولم يتحقق انتقامه منها كما أراد. فالتذبذب النفسي الذي يعاني منه الراوي يعكس ضعف المنطق الوجداني المغاير لعمق المعنى الروائي المشكك في قدرات القدر الذي فرقهما ولم يجمعهما رغم حبه الجنوني لها. أو بالأحرى الحب المريض في كينونته الذي يشبه الوحي الروائي. إذ ينتظر مخاضه الكاتب كي يبدأ في تكوين الأبطال مع قدر يعجز عن مجاراته كما ينبغي. فالقلق الانفعالي في الرواية زاد من قلق القارئ في الوصول إلى حقيقة حب ما هو إلا صراع طوائف ومذاهب مازال الغلو العاطفي يتحكم به سياسياً، فالإنسان هو الإنسان في الرواية والحكاية، والقدر الممسك بالغالب والمغلوب والمتحكم بمعايير الخير والشر، وما بين العقدة وحوادثها توظيفات وحوافز تتمحور حول تقنيات الكتابة الشبيهة بالحياة والقدر تاركاً للحب العصب الأساسي في تجسيد الانكسارات، فهل هي فعلاً "ضائعة في انتمائها الوجودي وهو ضائع في ضياعها"؟
تم نشره في جريدة الصباح عام 2017