فن القصيدة ونصها التأملي التحليلي المنتظم مع المنطق والاستنارة

في ديوان "أشجان" للشاعر سليم نجيب حيدر الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"،

ضحى عبدالرؤوف المل.

تتصادم الذات في ديوان "أشجان" للشاعر سليم نجيب حيدر لتسير القصائد بعدها تباعًا عبر طواف فكري لا يخلو من تصوف تأملي يتجاوز أبعاده الحقيقة والخيال عبر واقع الكلمة العميقة، أو بالأحرى الغارقة في الفلسفة المدركة للذات، والمفارقة لها في تناقض تتشرنق فيه البساطة، وبحيوية نسيج ذي أبعاد تتصف بوعي فكري، وهرمنيوطيقا الوجود المؤثرة في النفس بالتزامن مع تساؤلات الخلق المثيرة جدليًا، لتكوين متصل زمكانيًا بالإنسان واتصاله بالله. لتكتسب قصيدة الله نظرة دائرية متسعة تضيق وتصغر لتصل إلى الجوهر المغلق، واليقين الإيماني بشدة حبكة الكون التي ينشدها ويمنحها كنه الحياة الناشط عبر حركات السكون والشعور بالوجود الصمد. لاقتناص الإحساس المتناهي أو الوصول إلى التلاشي الوجداني للعقل المفكر بالخالق والكون والإعجاز المطلق. لإبراز قيمة الشك واليقين المؤسس للقواسم المشتركة في فضاءات تختزن زئبقيتها توازنات النفس المتذبذبة، والقابضة على جمر الحقيقة عبر فترات الحياة الطويلة التي يعيشها المؤمن انطلاقًا من منظوره الناشئ عن تفاعلات التأمل التجاوزي وتشكلات الذات عبر ذوبانها في الذوات ككل، لندخل من المطلق إلى الجوهر المغلق كما يقول في قصيدة الله: "إلى المطلق/ إلى الجوهر المغلق/ إلى اللاوجود الوجود الصمد/ إلى ذبذبات العدد.." أو التكرار الذي يحدث للإنسان داخليًا وخارجيًا من خلال إعادة الفعل وتكرار إن في الإنسان وطاقته الاكتشافية للكون والله.

القَبل والبَعد في القصيدة الثانية من كتاب "أشجان" الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر" لا تفارق القصيدة الأولى، بل تستكمل طوافه اللازمني والحركي المتمم لليقين بالواحد الأحد والفرد الصمد، وكأنه في بعث "عمي المدى" مرتجلًا نفي الزمان والمكان للقبل والبعد، وفكر الوجود للاوجود. ليعبر بالفكر إلى "مولد النور" والقصيدة الثالثة التي تجسد انطلاقة الإنسان نحو رحلة الوعي المرتبطة برسالات الأنبياء التي تضئ العقل والفكر، للاتجاه نحو اليقين بثبات إيماني لا شك بعده، إنما تكرار لمفاهيم الخطيئة والتوبة، وإن بتبطين رمزي يميل إلى الفلسفة الإيمانية التي يتمسك بها في كتابه "أشجان" الإحساس الجارح عاطفيًا ووجدانيًا، وعند التذكر أو المعايشة من خلال العودة الفكرية أو التفكر بالكون ومعجزاته، والإنسان وإيمانه وكفره مثيرًا الأشجان في قصائد جمعت عناوينها مفاهيم الأديان في انصهار ذاتي مع الله.

شعر فكري فلسفي تنويري يهدف إلى إثارة العصف الذهني بقوة للإضاءة الإنسانية على الجوهر في الخلق. أو كما يقول في قصيدته الثالثة "مولد النور": "بزوغ أمام بزوغ السؤال" وهي عبارة عن التساؤل في علامات مولد الرسل، ومحو الظلمة والنور، وربما يوحي بالظهور المقدس و"تلبس أفئدة الجهل" والتذبذب بين العمى والبصيرة أو التغشي الذي يغطي البصيرة قبل إدراكها للنور مستخدمًا مفردة الاصطراع للغرائز التي تتخبط في فترات العمر، وكأن الإنسان تحتدم غرائزه الحياتية مع بعضها البعض، وتزداد أو تنقص إلى أن يتم مولد النور بعد أن سالت الشموع على قدم اللات أو النذور التي كانت تشهدها الجاهلية قبل ظهور الأنبياء والأئمة، للقضاء على "ظلام الملذة/ تضىء دجاه شموع الالذة/ ظلام الزناة/ وأين الحلال وأين الحرام/ وأين طهور الكلام." لتغطي هذه القصيدة بمفرداتها وعمق معانيها، وموضوعيتها التي تجسد مرحلة ما قبل ولادة الرسول محددًا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مولد بهي ضمن قصيدة فاض فيها نور الولادة "وفرشة خيش/ ومن حولها نسوة من قريش/ عليها مخاض/ قفي يا دياجير، لمي الذيول/ هو النور فاض/ وجاء الرسول" فهل اتسعت "أشجان" سليم حيدر الشعرية من المهد إلى اللحد كمسيرة مؤمن أدرك قيمة الوجود في اللاوجود؟

قهر الشر فقامت وتعافت هيروشيما!.. وقصيدة ليلة الميلاد بإيقاع أجراس الكنائس والمآذن "سبحوا لله، المجد له، الله أكبر" والتسليم مع التآخي في تراتيل شعرية تفيض بروح الميلاد مع "مسلم يقرأ وجه الليل في أوجاع مريم! وفهم للمعاني في حالتي الولادة والموت والصراع ما بينهما في نزاع متبادل، لمحو الميلاد والسلام شاكيا أوجاع الرسالات السماوية لابن البتول "هكذا يا ابن البتول، الناس، منذ بدء، لا شيء يفيد" وكأنه يطلب المغفرة في قصيدته الملحمية التي تقارب قصة الخلق عبر الأزمنة التي تتعاقب مع الظلم والانتهاكات "إنهم، يا أبتي، لا يعلمون" واللجوء إلى الله للمسامحة العامة، فبنية القصيدة تعتمد على السكون الحركي غير متناقض مع نسيج الحكمة والزهد في التطلع نحو الدنيا التي دخلناها معه بعد قصيدة الله الكونية. لتضم القصائد القبل والبعد في منهج شعري يضيء العديد من الجوانب الحياتية التي عايشها الإنسان منذ الأزل، وبروح صوفية شفافة عميقة زاهدة في تأملاتها الفكرية الواسعة التي تنطلق من النقطة بدائرية تتسع ثم تضيق تباعًا من النهاية إلى البداية، وبالعكس عبر فن القصيدة ونصها التأملي التحليلي المنتظم مع المنطق والاستنارة الإيمانية وعقلانية السبك وجماليته الوجدانية التي يستنير أيضًا منها القارئ.

حكمة إيمانية تختلط مع فهم مراحل الزمن في الحياة، وتسلسل عناوين القصائد، فما بين "وداع المغرب" و"قم يا أمير المؤمنين" قصيدة "يا هجرة الرسول" التي بدأت بالمناداة، وكأن الهجرة ستحدث مرة أخرى عبر التاريخ والمخاوف برزت في كثير من المعاني "في كل درب حارس شاكٍ بأسباب العطب" ليدمج آيات قرآنية في مضمون تسيل منه الإيمانيات عمومًا دون تخصيص في الرؤية الدينية، رغم أنه جمع بقصائد مولد النور" و"ليلة الميلاد" بعبقرية الموحد للألوهية منذ البداية في قصيدة الله، كأنه يوحي للقارئ أن الله خالق الكون، فلماذا الاختلاف بين المولد والميلاد والشرار في كل مكان يعبثون؟

ديوان رغم وحدانيته لم يغفل عن ذكر جمال عبد الناصر في قصيدة مبنية على الفعل الوطني المؤصل في العنوان الذي انطلق منه "ثورة في الجذور" "عبر المفردات الصاخبة والهادئة في علو وتصاعد وبهاء "معنى ومنطقا واتزانًا" ثورة أيقظت النائمين وارتوت منها المفاهيم الوطنية. لينبثق الأسلوب الشعري المتماسك كالبنيان المرصوص المقاوم للافتراءات تاركًا للمناداة أيضًا قوة في استحضار الحدث، بحرقة الشاعر الذي فجر أحاسيسه في قصيدة رسم فيها مسيرة "جمال عبد الناصر" القائد الذي جمع الإنجيل والقرآن. "يا جمال" الإيمان بالوحدة الكبرى، جمعت الإنجيل والقرآن" بمقام النداء تجملت القصيدة وازدانت معانيها الوحدوية، وكأنه يستدعيه ليكون حاضرًا في القصيدة من بدايتها إلى نهايتها التي يعلن فيها متابعة طريق النضال وبموسيقية الإيقاع الوطني الذي تحتشد فيه المعاني القوية أو الثورية مع جمال القضية التي يتوجه بها إلى "جمال عبد الناصر". كأنه ما زال يحيا في جذور الثورة التي رسم خريطتها ليستكملها كل من سيأتي بعده. فالديوان بمجمله فكري فلسفي يضوع منه الحلم المجنون بالوحدة والسلام.

ملاحظة بعد قراءة ثالثة عدت فكتبت

ديوان "أشجان" للشاعر سليم نجيب حيدر هو محاولة جمالية تتجاوز حدود الشعر التقليدي لتفتح أفقًا جديدًا في فهم العلاقة بين الإنسان ووجوده. يتقاطع فيه الذات مع الكون، وتلتقي الفلسفة مع العاطفة في نقطة تنبع منها أسئلة وجودية تؤرق الإنسان منذ بدء الخليقة. إلا أن هذا الديوان لا يسعى لإجابة هذه الأسئلة بشكل مباشر، بل يكتفي بأن يترك القارئ في حالة من الاضطراب الذهني المستمر، في مشهد شعري يتنوع بين التراجيديا والملحمية، وبين الصوفي والوجداني. فهل تنجح "أشجان" في تجسيد هذه التوترات الداخلية؟ وهل تكشف عن عالم الشاعر الداخلي، أم هي مجرد لعبة فنية لا تلتزم بتقاليد الشعرية؟

يبدأ الشاعر ديوانه بمحاولة متقنة لمزج الفلسفة الروحية مع الأسئلة الوجودية الكبرى. لكن السؤال الذي يطرحه الديوان بجرأة هو: هل نحن أمام شاعر يسعى إلى الكشف عن عالمه الداخلي، أم هو مجرد مسعى لتحفيز القارئ على تأمل وجوده الخاص؟ على الرغم من أن العديد من القصائد تتحدث عن علاقة الإنسان بالله، وعن الفضاء الكوني الذي يشغله، إلا أن هذا لا يعني أن الديوان يتمكن من الخروج عن دائرة الذاتية التي تحكم الكثير من القصائد.

تتسرب "أشجان" عبر لغة تُظهِر الذات في ذروة اضطرابها، ولكن هذه الذات تبدو في بعض الأحيان عاجزة عن التعبير الكامل عن التناقضات التي تعيشها. نرى الشاعر يزاوج بين التأملات الروحية والأفكار الفلسفية، ولكنه لا يمنح القارئ مساحة كبيرة للتفاعل مع هذه الأفكار. أحيانًا يبدو أن القصائد تركز أكثر على الارتقاء بالعاطفة إلى مستوى الكونية، فتصبح أشجان الشاعر هي أشجان الإنسان ككل، ولكن دون تقديم حلول واقعية.

يستخدم الشاعر الرمزية بشكل متكرر في العديد من القصائد، مثل استخدامه للرمز الديني، والمفاهيم الصوفية التي تميل إلى الإشارة إلى "اللامتناهي" و"الجوهر المغلق"، وهو ما يعزز من طابع الديوان التأملي. لكن هذه الرمزية في كثير من الأحيان تصبح عبئًا على القارئ الذي قد يفتقد إلى مفاتيح تفسيراتها. الرمز هنا لا يُقدّم كأداة للتوضيح أو للفت النظر إلى فكرة معينة، بل يبدو في كثير من الأحيان محيرًا ومربكًا.

التكرار أيضًا هو أحد الأدوات التي يكررها الشاعر بشكل متواصل. في قصيدته عن "مولد النور" على سبيل المثال، تتكرر بعض الصور الشعرية مثل "الظلام والنور"، "الزيف والحق"، "الوجود والعدم"، وكأن الشاعر يعمد إلى خلق حالة من الاستمرارية التي تنبع من فكرة "الرجوع إلى البداية" أو "العودة إلى المركز". ولكن هل التكرار هنا يمنح القصيدة عمقًا جديدًا، أم أنه مجرد أسلوب فني يستهلك المعنى؟

من الواضح أن الشاعر يطمح لخلق موسيقى داخلية تجعل القارئ يعيش هذه التوترات بنفسه، ولكنه أحيانًا يبالغ في تكرار هذه الصور الشعرية لدرجة أنها تفقد تأثيرها العاطفي والفكري. يتحول التكرار إلى نوع من الروتين الشعري الذي يفتقر إلى الدهشة أو المفاجأة، ويصبح المعنى الثابت أكثر من كونه فكرة متحركة.

بعيدًا عن التأملات الوجودية، يقدم "أشجان" في بعض قصائده إشارات إلى الهوية الوطنية، مثل قصيدته عن جمال عبد الناصر. لكن مرة أخرى، نرى في هذه القصيدة محاولة لإعطاء معنى للصراع بين التقدم والتخلف، وبين الثورة والخوف من العودة إلى الوراء، ولكنه يصطدم بمشكلة أخرى: كيف يمكن للقصيدة أن تمزج بين الحس الوطني والفلسفة الروحية، دون أن تتحول إلى شعارات جافة أو تجميل زائد؟

في نهاية المطاف، يظل ديوان "أشجان" كتابًا شعريًا يمثل محاولة جادة لاستكشاف الذات البشرية في علاقتها مع الكون والله. ومع ذلك، يبدو أن الشاعر سليم نجيب حيدر يقع في فخ المبالغة في استخدام الرمزية والتكرار، مما يجعل بعض القصائد تبدو محاطة بغموض يصعب فك طلاسمه. رغم أن هناك لحظات شعرية تلامس قلوب القراء وتعبر عن آلام إنسانية عميقة، إلا أن الديوان يعاني أحيانًا من عدم التوازن بين الشعور والفكر، مما يخلق شعورًا بالضياع بين التفسير العقلي والعاطفي.

تم نشره في جريدة المدى عام 2016