من أجل غواية الشر
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "منتجع الساحرات" للروائي أمير تاج السر.
يعكس أمير تاج السر الواقع العشوائي في رواية "منتجع الساحرات" الذي يشن فيها الحروب على الأفكار التي تراود الإنسان عندما يلجأ إلى محاكمة نفسه عبر الزمن، من خلال اليقظة الحسية في المشاهد الأليمة التي يعيشها الفرد في المجتمعات الفقيرة التي هي جزء منه، ولا يشعر بذلك لما يحيط به من رؤى احتجبت عنها الصور التخيلية، كأنه يسحبنا إلى الواقع، ويسجننا داخل الصورة التي ينسجها روائيا، لتصب في ذهنية أفكار القارئ، وتتركه مسافرا في عالم الأسماء الممتد من عبدالباسط شجر إلى المتسكعين والمراهق ناهوم عرجا الأثيوبي وصولا إلى موت الأحلام، وولادة الواقع المرير مع بائعات الشاي المسنات اللواتي يلذن بالصمت، لأنهن فقدن عبد القيوم الذي ما عاد يلفت النظر، وكأنه يوحي بهشاشة القوانين في عشوائيات يعيش فيها الأفراد الضعفاء وبعض من المتسلطين، بانزياح جمالي عفوي في التأثير، وببساطة شعبية تؤدي إلى تحولات الأفق الروائي المألوف عادة، وبإبراز جوانبه الجوهرية في بناء الرواية، ليحارب في رأس كل منا أفكاره المبهمة التي تتضح تدريجيا كلما توغلنا في القراءة، كأننا نعايش شخوصه بتآلف تصويري نتبعه كعين سحرية تراقب المشهد.
مجرمو سن المراهقة، ونوعية الحياة التي تفرضها نوعية من" خرجوا إلى الصبا مطرودين أو مساجين، وبالطبع، ضائعين، وعاطلين عن العمل بجدارة" والقضية التي يثيرها أمير تاج السر روائيا ليست مطروحة للنقاش، لأنها من واقع له مكانه وزمانه وظواهره المحلية التي اعتاد عليها بطل الرواية ومن معه، لكنه يمسك بعناصر الواقع، لتكتسب الرواية بمسارها الفني تراكيب ذات خصوصية يشن حروبها المتعددة من الأفكار إلى حروب الرزق والوجود، وشاي الحشرات وسرياليات لا يمكن أن تتخذ صفة غير غرابة ما يصفه أو يتكلم عنه أمير تاج السر في روايته "منتجع الساحرات" التي يستغرب فيها القارئ الخوف من انقراض مهنة السرقة ، فما هذا المجتمع الذي يروي عنه ما يرويه، ومن هو عبد القيوم هذا والنزوات المترفة؟
حركة مشهدية تعج بإشكاليات ينطقها عبر خلفيات رمزية ، كأنها المشهد السينمائي المشغول بترميز وتشفير، وبما يثير دهشة المتخيل أو حوارات الشخوص التي تلتقي ببعضها وتفترق، وكأنها تستند إلى لغة فكرية تتصارع فيما بينها، لينفي بعضها البعض، وكأن البقاء للأقوى في الرواية التي تماثل الحياة وأفكار الرواية، أو بالأحرى أفكار الروائي نفسه المتحكم ببنية السرد وقوته الإيهامية بالقوة والضعف، والتغيرات التي تطرأ على الإنسان الذي لا يختار بيئته، ولا أين يولد، ولا كيف يموت، فهل من استعمار نفسي يمارس على الفرد من خلال المحيط الاجتماعي أم إن الواقع السياسي وتأثيراته هو انعكاس للمجتمعات الموبوءة والفاسدة، والصالحة والميالة للخير مختصرا بذلك جدلية سن المراهقة والمعايير الإنسانية لباقي أفراد المجتمع، وكأن كل فرد يولد ليمارس دوره في الحياة كما تمارس شخوص أمير تاج السر أدوارها في هذه الرواية التي تفرض على القارئ نمطية معاكسة للجمال، أو لقبح الحياة التي تتفاعل معها الشخصيات بمشاعر متناقضة.
هجرة عشوائية بلا سند ، ومفردات لفتاة لم تكن مواطنة، لتمنح أرضا في الوطن، ولا لاجئة قديمة مستقرة كذلك ، فالقاموس الروائي تركه مفتوحا على مصراعيه استنكارا من مدينة يمكن بسهولة شديدة أن يتحول فيها طائر الغراب المنبوذ شكلا وسلوكا إلى دون جوان منتقدا المجتمع بتبطين ذي إيحاء يحيله إلى نماذج تشبيهية مغموسة بالإبعاد، وهاربة من شوارع تؤدي إلى شوارع تقطنها هاربة من عرس الدم ، وبتصوير تعبيري ينقل القارئ من معنى إلى معنى بفن شاعري مثقل بلهجات الأسى ، والحرمان لطبقة اجتماعية توحدت فيها معالم الغموض التي نتبع خيوطها بمحاولات لفك شيفرة شخصياته ورموزها المرافقة لوجودها، أو اختفائها دون التغاضي عن أهمية الجوانب التقنية للحبكة الروائية وتوجساتها الاجتماعية والسياسية، والسياق الزمني المرهون بالتساؤلات والاستحضارات التخيلية لأحداث كثيرة تجري في العالم، فهل الرواية هي فكرة أحدث متعددة من منظور تاريخي اجتماعي سياسي؟
فلسفة الهوية والوطن ومشكلات الحروب والنزوح مع بؤر التعاسة التي يحاكيها بوطنية مجروحة ومع رواد السجون " وسخرية الحياة التي تجعلك ممزقا في بلد لا يستقبلك بأدنى حد من الحفاوة، ولا يطردك عن أرضه بصراحة " فاتحا بذلك مسرحه الروائي أمام الأفكار التي تستند إلى أبعاد التاريخ والحقب المتتالية عبر الأجيال، والبحث عن مدلولات أساسية لبناء الأوطان القادرة على ضم أهلها، وقومية تتمرد على ذاتها، لتنتج سمات إنسانية تتسع وتضم النبلاء الذين لا وجود لهم في الرواية، ومنعطفاتها الاستسلامية، أو تلك التي تقاوم فن الامتلاك بالقوة تحت مسميات متعددة عاكسا النزعة الفكرية، والاستغلال الاجتماعي الذي يمارس على الشعوب المستضعفة التي تبحث عن ذاتها في ظل مستنقعات يتقهقر فيها الفرد تبعا لعمره أو قوته أو مكانته التي أوجدها بوسائل غير نظيفة أو شرعية، وبغزل وطني ساخر في بعض منه مشيرا إلى البلدان التي تبقى دون دعم من أحد، وتتشرذم، وتصل إلى أقصى حالات السوء دون رعاية من أحد.
رواية ذات رؤية انتقادية سياسيا واجتماعية، وبسخرية رمزية كالثوب الأصفر المطعم بالذهبي أو اللون المحرض، حتى الأسلوب المملوء بالإسقاطات والتشابيه، والمناورات الفكرية الممزوجة بتأثيرات عديدة، من حيث يسقط بيع الشاي والنزوح الأريتيري أو الأثيوبي، ومشكلات النفس التواقة إلى المجد، فهل يتوقف الخنجر الاحتلالي المتلون في المنتصف بين الموت والحياة ، كما توقف خنجر عبد القيوم أم إن القارئ هو الأفكار التي يتصارع معها أمير تاج السر منذ البداية حتى النهاية ؟
Doha El Mol