هذا ما لم يحدث في المسلسل اللبناني "أمير الليل"

ضحى عبد الرؤوف المل

تعتمد الدراما التاريخية، خاصة، على تفاعل النص بنسبة كبيرة مع المنفذين كأي دراما أخرى، إضافة إلى عمق الرؤية الإخراجية التي يتميز بها المخرج، بالتوافق مع إدارة الإنتاج. لتكون هذه الدراما بمثابة العمل الفني الذي يحاكي شريحة كبيرة من الشعوب، وليست فقط على بلد بمفرده، وهذا ما لم يحدث في المسلسل اللبناني "أمير الليل"، الدراما التي كانت تستحق المزيد من العمق لتحقق التميز تبعًا لما حمله النص من خيوط تم حبكها بنوع من تواريخ احتاجت في بعض منها إلى مزيد من العناصر التي افتقدها نص درامي لا يمكن إنكار جماليته التي غطت على الأخطاء الإخراجية الكثيرة وتكلف بعض الممثلين. لكن ربما كان من الممكن على كاتبة النص "منى طايع" أن تتوخى الدقة بشكل أكبر، ومنح التفاصيل رؤية درامية ذات معلومات تاريخية واجتماعية زاخرة بالتفاصيل المحيطة بالحدث، لزمن نائم في كتب التاريخ وقد استخرجته بتخيلات لها عطر أماكن لبنان في تلك الحقبة التي لم يلتقطها الإخراج ويتوسع بها فنيًا، لتساعد المخرج في خلق تناغمات بينه وبين النص والممثلين الذين تفاوت الأداء بينهم بشكل كبير، مما أحدث فجوات لم تمسك بالمشاهد، وجعل بعض الحلقات تنفصل عن الآخر لقوتها أو ضعفها. لأن بعضها بقوته شكل محاكاة درامية لامست شغف المشاهد في هذه الدراما التاريخية التي استطاعت أن تروي عطش الظامئ المتابع لها بجمالية فترة تاريخية مرّت على لبنان.

فهل الدفة التي أمسكها المخرج دون قيادة بصرية هي السبب في هذا التفاوت الفني في مسلسل كان يستحق فعلًا إنتاجًا وإخراجًا أكبر أو أقوى، للتمهيد لخلق صراعات ذهنية عند المشاهد كي تجذبه بشكل منطقي نحو المسلسل كحركة وليس مجرد نص يحكي قصة ما؟...

الدراما الحقيقية هي في ردود أفعال الممثل المرتبطة بردة فعل المخرج والمشاهد معًا، وليس في النص المفرد فقط، وهذا الضعف الإخراجي ترك للنص مراكز قوة لم يمسك بها المخرج لمنحها حركته، التي عجز عن إظهارها الفنان "رامي عياش"، لتبقى تعابير وجهه مشدودة، قلقة، وغير قادرة على الاندماج في الدور بشكل ينسجم مع الفنان "أسعد رشدان" أو "بيتر سمعان" أو "هيام أبو شديد"، وحتى القديرة "نجلاء الهاشم"، الذين احتضنوا الفنان "رامي عياش" عبر إتقانهم التعبير المجرّد من التصنع، ليكون وجودهم حول رامي عياش بمثابة استنهاضه من كبوة شعر بها المشاهد وانتقدها، والتي كانت تحتاج لبذل المزيد من الجهد لاستخراج التعبير التمثيلي من الفنان "رامي عياش" في ظهوره الأول كممثل عبر هذا المسلسل الذي نجح في تأليف موسيقاه التصويرية بنسبة كبيرة، وربما شارة البداية أو التتر كان العنصر الأكبر في استقطاب المشاهد نحوه، مع كلمات الشاعر "نزار فرنسيس"، الذي اختصر الحكاية بتتر ناجح بكل المعايير الفنية. وكنا نتمنى أن ينجح المسلسل بعناصر كاملة في دراما تستحق العبور نحو العالم وعلى الشاشات العربية.

موسيقى تصويرية حسية وذات تقنية مشهدية زادت من قيمة الحلقات فنيًا، وهي من تأليف الفنان "رامي عياش"، الذي تلاعب بالمفردة الموسيقية بإتقان وبنغمة خفيفة وقوية تبعًا للمخزون الحسي لكل مشهد استطاع التغلغل فيه، وإدراك الانفعالات بالموسيقى، في حين أخفق في التمثيل. وهذا كان يحتاج للكثير من التدريبات والممارسات التمثيلية القادرة على منح هذا الموسيقي، الذي استطاع تأليف هذه الموسيقى التصويرية المميزة في مشاهدها السمعية، وبهذه الجمالية العابقة بالفن، الأداء التمثيلي المتناسب مع الفنانة "داليدا خليل" التي بذلت مجهودًا أرفع له القبعة، ولا يمكن إنكاره نقديًا، خاصة أنها بين فنانين مخضرمين من الجيل الذهبي، كالفنان "أسعد رشدان" و"نجلاء الهاشم" و"طوني مهنا"، إضافة إلى المميزة الفنانة "نهلا داوود" و"خالد القيش" و"عصام الأشقر" وبعض من الممثلين الآخرين. إلا أن التفاوت بين ممثل وآخر لم يمنح المسلسل التوازنات الدرامية المطلوبة، وهذا أساء للمسلسل بنسبة كبيرة، وللنص بنوع ما، لأن المشاهد افتقد للتحفيز والجذب بنسبة أكبر، أو بالأحرى بات يختار المشهد الذي أحبه، كمشاهد الفنانة "هيام أبو شديد" و"أسعد رشدان" بشكل خاص، والفنان "طوني مهنا" و"نجلاء الهاشم"، بينما تفاوتت الأدوار بين "ميس حمدان" و"أحمد كرارة" بنسبة كبيرة. كما فقدت الفنانة "داليدا خليل" قيمة ما قدمته من براعة تمثيلية أمام إخفاق الفنان "رامي عياش" في خنق تعابير وجهه وأحاسيسه الدرامية، لأن ازدواجيته معها تمثيليًا كان من الممكن أن ترفع مستوى المشهد إلى نسبة نجاح أكبر، وهذا ما لم يتجنبه المخرج مع الأسف. وضاعت معه قدرات الفنانة "داليدا خليل"، التي أفسح عنها هذا العبء، نوعًا ما، وجودها أمام الفنان "أسعد رشدان" والفنانة "هيام أبو شديد" و"نجلاء الهاشم". ولا أنسى هنا دور الطفلة، المجمل للحلقات بكاملها، لعفويتها وعذوبة دورها.

بيروت بين 1939 و1942، وزمن الانتداب الفرنسي، في أجواء مخملية محببة إلى النفس التوّاقة لمعرفة المزيد عن هذه الأماكن والعادات والتقاليد، والمجتمع السياسي خاصة، وتنوع المجتمع اللبناني آنذاك عبر الفروقات القروية بين عالمين منفصلين لهما سلبيات وإيجابيات، في زمن اختلط فيه الطابع الفرنسي وطغى على الأجواء اللبنانية، التي غاب عنها التلفزيون، ولم تغب عنها النوادي الليلية التي لم تكن معروفة للعامة كثيرًا، وكان لها زوارها من الطبقة الأرستقراطية. إضافة إلى الصحافة وإبراز دور صحيفة "النهار"، مع أسماء الكثير من الوجوه الأساسية التي عايشت المجتمع اللبناني آنذاك، دون الولوج إلى بعض الأخطاء هنا في أسماء بعض الصحف التي ظهرت ولم تكن موجودة آنذاك.

لن أنتقد التصوير، الذي ضاق بالصورة ذرعًا، ولم يمنح المشاهد خلفيات، خاصة إن في القرية التي كان من الممكن إظهارها أو في الأماكن الداخلية، كما لم يستطع إبراز أو إخفاء بعض العيوب التي لم يتجنبها، لتكون الصورة عبر جوانب كثيرة هي أيضًا محاكاة للبصر عبر المشهد وجماليته، لأنه العين الناقدة التي ترى بشكل كبير ما لا يمكن رؤيته بالعين المجردة. إلا أن المسلسل، بنكته التاريخية، بدا مفارقًا للمسلسلات التي يتم عرضها حاليًا، ولا يمكنني إلا أن أتمنى من الجهات المنتجة الاهتمام بهذا النوع من الدراما، لأنها ليست موجهة للبنان فقط، وإنما يجب أن تكون موجهة للعالم، وبمقاييس فنية مختلفة.

فهل تم ظلم النص في هذا المسلسل، أم الممثل، الذي أمسك بين طرفي الضعف في التقمص والأداء، ليُسلب منه النجاح، ويكون في بوتقة الخلل الدرامي الناتج عن الكثير من القضايا الفنية التي لا يمكن شرحها بالكامل في مقال واحد؟

تم نشره في جريدة المدى عام 2016