ملائكة العتمة

رسائل من قلبي إليك...

ضحى عبدالرؤوف المل

حبيبي...

ملائكة العتمة يغمرن ابتهالي، إنهن أنا، وأنت ذاك الإله في عمق ذاتي. قطعت شرايين الحياة لأنها لا تليق بفارسٍ يؤجل انتصاري، ضوءٌ يخبّف اعتراف نهاري، بعشقٍ دفنته في محرابي، وأنا التي مدّت خيالها لتعانق طيفًا غائبًا عن أمكنتي. لحظةٌ جعلتني أتوسد خد الزمن وألجأ إلى صدرٍ ما زال وسادتي، وإن غمرت الحلم برأفة عاشقة، إلا أني قتيلة وهمٍ لم يخفف شوقي إليه، ولم أرمِ الجزع الذي أصابني بسهم قاتل، إلا لأبتهج من ذاك المشهد في خاصرة شاطئ لامس حواسي. إني أخاف من نفسٍ تحنّ لصوتٍ يبوح بعطرٍ يؤجج بفوضاه كينونتي. إلهي، إني أتسوّل العطف لأنسى ذاك القتيل من وجع! من زاهدة هجرت الدنيا ولجأت إلى محرابٍ بالبوح غني، من لحظةٍ تشنّ حروبها على وقتٍ مهمّش كُرمى غوايةٍ تزول كضبابٍ رحل مع عتمتي...

حبيبي...

كفى... اهدأ... يكفيني من العمر لحظةٌ منزوعة الزمن. لا تعنيني رؤيا الأرق في عيونٍ تائهة، ولا يعنيني الخوف المسترسل مع الكلمات التي توقظني. إني أبرمت مع روحي عهدًا في كل ليلٍ يغسل دمعةَ فجرٍ توضأ من يأسي، من رجلٍ استبدّ بالصمت. ما من رأفةٍ أستودعها الصبر، وما من رغبةٍ انتزعت منها شوقي. يحاصرني الحزن عند كل ضحكة أطلقها، لأخفف من معاني رسائلي التي تراوغني. سأخطّ مسيرتي على ورقٍ أنثره فوق قممٍ شاهقة تعلو مع أحلامي، لأني ألقّن المعنى شهيقَ الحب العذريّ الذي لفظ أنفاسه على شفاهي. هي الشكوى التي أرفعها في أتون ليلٍ يصطلي على نبضِ قلبٍ ساهرٍ يمتهن الصبر، ليمسي على مآذنِ جسدٍ يفنى كلما اشتمّت الروح عطر حبيبٍ يرسمه خيالي، فكيف أنفض عن النفس حزنها وبهجتها وهي تمرّغ الحواس بوجه حبيبٍ بهيّ؟...

حبيبي...

أدمنت الهروب من ذاتي، من حقيقةٍ تشنّ هجومها على قلبٍ غادر الحياة، من نواحِ الهجرِ الذي أمارسه مع عقارب زال عنها الوقت، من زبدٍ يسيل على أمواج لحظاتٍ أغسلها بندمٍ ذي حنينٍ يطوف حول أقداري. كلما أمسيت حالمةً، يتجلّى الواقع المرير من ثغرةِ ضوءٍ ظللتها بعتمة، كيما أحيا وتحيا معي الأحلام التي تستريح في خزائن ذاكرتي. كيما يعاتبني ذلك الغافي في زمنٍ اختفى، وتلك الحروب التي جمعتنا مع نيران الهوى، وأنا أبحث عن حبٍّ سرياليٍّ خلعتُ عليه غرائب النساء. أدمنت كل دعاء رفعته، واليباس من حولي اخضرار، والأموات هم الأحياء في ذاكرتي. لا خير في غارٍ حبس عطره، ولا في قدرٍ منع الحبيب من مناجاةِ حبيبةٍ تعتصر القهر الراكد في صومعةٍ صاخبةٍ بأدعيتي.

حبيبي...

وعدتُ أمكنتي الباردة أن تشتعل برغباتي، وعدتُ يدي بلمس الملامح التي تحيا بين رسوماتي. وعدتُ الزمان أن تبقى كلمتي مفتاح سرّها أنت، والشوقُ بعراكٍ مع أحلامي. أبعدني عن كذبٍ... عن طغيان... عن حبٍّ أعمى لستَ تراه، بل! تقتسم هواجسه بصمتٍ معي. زيفٌ هو الحب الذي أمسى في ذاكرتي، وحقيقةٌ هو الحب الذي قتلني، ونفى الروح من جسدٍ خاوٍ كطينٍ جفّ من ثقلٍ ومن كيّ عشقٍ قاحلٍ استفحل وبات معلقًا في رسائلي...

تم نشره في جريدة الإنشاء طرابلس

وفي كتاب لحظة غرام