قصص تبث ابتسامة موجوعة
قراءة في المجموعة القصصية "فوق بلاد السواد" للمؤلف "أزهر جرجيس"
ضحى عبد الرؤوف المل
يستقي المؤلف "أزهر جرجيس" قصصًا من المجتمع العراقي وأوجاعه في مجموعته القصصية الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" بعنوان "فوق بلاد السواد"، إذ يقرع أبواب الوجع الاجتماعي، ويُفتحها على مصاريعها نحو قصص تبث ابتسامة موجوعة، وتُبرز ضنك العيش عبر مواقف ضاحكة كقصة "سائق الجنائز"، دون تمرد مباشر، وبلياقة أدبية ممزوجة بالحكمة، وبنقد يثير التعاطف دون تجريح أو سخرية لاذعة غير مدروسة. إذ يترك أزهر جرجيس لفضاء القصة دهشتها بهزلية محكمة التوجهات، ليصبح الخوف من الجن غير المرئي أكبر من الأموات الذين ينقلهم بسيارته ويدفنهم. ليدرك في نهاية القصة أن من يصفعه قماشة تتدلى من التابوت الذي ربطه على ظهر سيارته، وبمنهج ذي وظائف اجتماعية لا تخلو من سياسة لطيفة لها وظائفها العميقة في التعبير عن الواقع بتحويل مشاهده إلى مواقف إيجابية لها رؤاها القصصية ومغزاها الاجتماعي.
فكرة حكائية حقيقية بنكهة خيالية أضافت للأسلوب بعض المرح المشحون بالدفاع الذاتي المتسع بمواضيعه كقصة "غريب المؤمن" الشعبية في تطلعاتها، وعناصر التشويق التي استخدمها، كعلامة فارقة في معنى لم يشذ عن الشعبية في الأدب. أي كالأدب الشعبي الساخر بتقاليده ومفاهيمه، وموروثاته وقدرته على الوصول نحو الهدف بتقنية تثير دهشة القارئ، وتتركه في ذهول النهاية غير المتوقعة مع الاحتفاظ ببساطتها ومكوناتها السردية التي تعزز من الفكرة ودوافعها الإنسانية، كقصة "هبوط اضطراري" مع شخوصها وقرار نبيل بألّا يكون نبيلاً، في خطة هروب من زوجته دفعت به إلى الحلم، وإن بتلميح لهجرة الشباب إلى الدول الغربية، إن بحراً أو براً، دون التفكير بالأخطار التي تؤدي إلى الموت المحتم، وإن نجا نبيل من ذلك، لتنتهي بوقوع زوجته السمنة من سريرها على فراشه.
رقصة نوفة والمضحك المبكي في المعنى السلوكي للمغترب خارج بلده، وللمرأة الغربية المتحررة من كل ما يعيق أماني الرجل المتفلت من مجتمع لن يعرف مدى تهوره في سلوكيات أُضيف عليها الطابع العربي، في نهاية لم تحمل سوى كلمة "انطمري" التي اختزلت المواقف برمتها مع ابتسامة يرسمها على شفاه القارئ ببساطة متناهية، وبحل لعقدة بلغت ذروتها ببساطة متناهية، وبانسياب سلس لعربي في بلاد الاغتراب يدرك للمرة الأولى سلوكيات مجتمعية غريبة لا تلغي الإحساس بالعودة إلى التربية الاجتماعية الأولى التي يتلقاها الفرد في موطنه الأصلي، والتي لا يستطيع التخلي عنها مهما حاول إعادة ترتيب سلوكياته المدفوعة من مفهوم شرقي بحت. لكنه يحمل الأصالة رغم كل المحظورات التي قد يتهور في القيام بها، فهل يحاول "أزهر جرجيس" بث المزيد من الانتقاد من خلال المواقف الساخرة الممزوجة بنكهة ضحكة كقطبة مخفية تدفع القارئ للتمسك بعادات تربى عليها في مجتمعه الأم؟
يلتقط القاص "أزهر جرجيس" من الواقع قصصه بصياغة مثقلة بالمقارنات غير المباشرة، كقصة الهذيان والطلق عند الإنجاب، وفي الحروب، مع الحفاظ على وتيرة الهذيان التي تصيب النسوة تحت تأثير البنج، وما يصعب قوله في المجتمع خوفًا من البطش أو خوفًا من الهجرة القسرية، وما بين هذا وذاك، عملية القلب المفتوح في مشهد من الخوف جعله ينسى أنه في بلاد الاغتراب. إذ يتمحور الهذيان على ما اعتمد عليه من الكبت والخوف الدائم من المجتمع وردّات الفعل غير المتوقعة من الاعترافات التي لا تؤدي إلى كوارث، وبخوف مسبق تخطى التوقعات، بل وبالغ فيها وبتصوير مضحك وجدية برزت في السرد بجمالية، وبساطة يتلقفها المتلقي وتستحوذ على العاطفة والعقل، كقصة "شريف البشتي" المليئة بالمواقف المضحكة والمؤلمة في آن.
مجموعة قصصية ذات رائحة اغترابية انتقلت بنا إلى غربة من نوع آخر، لم تترك للحظة رائحة الوطن أو الحنين لبغداد وللزمن القديم. إذ لم يلفّ النسيان شخوص قصصه ما كان يجري في الأحياء العراقية من مواقف جميلة، رُسخت في الذاكرة الشعبية بكل مقوماتها، وإن لفّها الألم قليلاً. إلا أنه لا يمكن نسيانها، وكأن القصص هي محطات اجتماعية ساخرة، لكنها من شعبيات مزخرفة بالواقع الجميل رغم مرارته، كقصة "زنوبة الحمرة" والعودة إلى المدرسة والتنمر المدرسي قديمًا، وهي على مر الزمان ما زالت موجودة في كل المجتمعات العربية والغربية على السواء، ليرصد "أزهر جرجيس" رؤاه بمفاهيم قصصية ذات نظرة تحليلية بفكاهة تتسرّب بدهشة إلى نفس القارئ.
تم نشره في جريدة الصباح عام 2016