المحاورة الفنية المتناقضة مضمونًا وأسلوبيًا
ضحى عبدالرؤوف المل
تبلغ محاورة اللون في أعمال الفنان الأمريكي جان جونون (John Jonone) الحد الأقصى من التناقض، أي المحاورة الفنية المتناقضة مضمونًا وأسلوبيًا، ومقاربات تخيلية لها نقاطها المسطحة، كظواهر فنية لها مكنونها الذاتي الممتزج مع كل ما هو متخيل، ليوازي بمشاكساته بين الواقع والخيال، بشتى لغات اللون الباردة والحارة، وكأنه ينتفض على أسس الفن، ولكن بتأملات غارقة بالعودة إلى الجمال المنبثق من إيقاعات اللون، وبهلوانيته لتكوين عوالمه بتجاوز تشكيلي له أبعاده الخاصة، ونظامه القادر على خلق نغمة فنية، مع تفاوت بين الأشكال والألوان ونسبة تقاربها وتباعدها. ليمثل بخطوطه الحياة ومقاييسها الاجتماعية المختلفة بغرائبها وعشوائيتها وتضادها، وكأنه يعتمد على تصوير تخيلاته الحسية ويشحنها بانعكاسات الألوان ضمن معادلات تتوازن من خلالها الأبعاد الجمالية التي تضع المتلقي أمام عدة علامات تعجب. فهل نمارس باللاوعي جنون الرؤية الفنية لتكوين صورة قريبة من الواقع أو تشبهه، بتآلف يلقي الضوء من خلاله على مؤثرات اللون البصرية على النفس، بمزاجية طفولية مشاكسة تدفع بالمتلقي إلى تتبع اللون ومساراته الحيوية والمتألقة بالخواص الضوئية؟
خطوط تشاكس بعضها البعض، بدرجات طولية مختلفة؛ إما عامودية، أو أفقية، أو متكسرة، أو لولبية، وكأنه يرسم بالخط ويجرده بداية من اللون. ليؤلف بعدها لوحته لونيًا، وبخيال يتأرجح بين العتمة والضوء، ليبرز الظل اللوني بخفة تتداخل مع بعضها البعض ببلاغة جمالية ذات مستويات حركية تضفي نوعًا من الجدليات حول الطاقة الحركية للون، وقوة مؤثراته في التفاعل مع الأنماط والسمات، والتضافر الثري بقوة الريشة وثباتها ضمن الفواصل الفراغية التي يلجأ إليها الفنان جان جونون، مثيرًا بمشاكساته عدة معانٍ تلائم المعايير الداخلية التي تعتمد على التحاور والتجاور والإيقاع المتشابه أحيانًا.
ينغمس "جون جونون" حد الجنون في الانفعالات اللونية التي تجذبه إلى جوهر عمله الفني، وهي المحاكاة البصرية للشارع، بسمة فوضوية لها نجلياتها التشكيلية، ونظرتها الإيجابية نحو تشكيل احتجاجات فنية من نوع آخر تميل إلى جذب البصر حركيًا، لإثارة الانتباه إلى جزئيات اللوحة وتفاصيلها، بوجدانية تتقلب فيها عاطفة اللون بين البارد والحار، وقساوة الخط وليونته بين المستقيم واللولبي أو المنحني، متأثرًا بمزاجية اللحظة التي يرسم فيها لوحته، وبتعابيره المختزنة تأويلات مختلفة يستبطنها بالفراغات والفواصل، وبتقوقع أحيانًا يخفيه مع اللون الأبيض والظل، لينتفض بجرأة مع ازدحام الأشكال وإيقاعها السريع.
تتميز أعمال الفنان "جون جونون" بصياغة مفهومة بالانتفاضات الفنية وتحقيق حركة انعكاسية للمفهوم اللوني المرتبط بنفسيته أولًا، وانجذابه إلى اللون تبعًا لحركة الخط، وما يثيره من زوابع فكرية وانفعالية فيه. وكأن ريشته ما هي إلا هلوسات تخيلية مصحوبة بمعرفة فنية لها أسسها ونقاطها وأبعادها، لتترجم أحاسيسه وأفكاره على مساحات مخصصة للاحتفاظ بالمشاعر والأفكار التي يتوجها بمصطلحات تفكيكية لها مكوناتها الجوهرية وقضاياها الجمالية المتشعبة فنيًا.
في رؤية أخرى بعد سنة
المحاورة الفنية المتناقضة مضمونًا وأسلوبيًا
ضحى عبدالرؤوف المل
تتسم أعمال الفنان الأمريكي جان جونون (John Jonone) بقدرة فذة على التعبير عن التناقضات العميقة بين الواقع والخيال، ما يجعل محاورة اللون في لوحاته تصل إلى أقصى درجات التباين في الأسلوب والمضمون. لا تقتصر هذه المحاورة على كونها تجسيدًا بصريًا لظواهر فنية فحسب، بل هي رحلة في الذات الإنسانية تتقاطع فيها العواطف والأفكار مع اللون، لتخلق إيقاعًا متجددًا من الجمال والتشويش. ففي أعماله، لا يوجد الفصل الواضح بين الواقع والخيال، بل يتداخلان ويتناغمان في محاولة لتشكيل واقع فني متعدد الوجوه، يثير في المتلقي شعورًا بالدهشة والتساؤل.
يستخدم جان جونون اللون كأداة غير تقليدية، حيث يبدع من خلالها عالمًا من المشاكسات بين البارد والحار، بين الظل والنور. هو لا يلتزم بالثوابت اللونية أو التوزيع التقليدي للون على سطح اللوحة. بل، يُمَزِّق هذه الحدود ليقدم مزيجًا مدهشًا من الفوضى المدروسة، والتي تمثل تحديًا للقواعد الأكاديمية للفن التشكيلي. هذه الفوضى ليست إلا انعكاسًا لحالة وجدانية عميقة، فكل خط وكل لون على اللوحة يُظهر صراعًا داخليًا، مشحونًا بمشاعر الغضب، الشغف، والتفكير الحالم.
تعتبر خطوط الفنان واحدة من أكثر السمات المميزة في أعماله. تتباين هذه الخطوط في الطول، الاتجاه، والحركة؛ فبعضها عمودي، والبعض الآخر أفقي أو مكسور أو لولبي. هذه التشكلات الخاطئة أحيانًا والخارجة عن المألوف تعكس فكرة تجريد الشكل وتحويله إلى لغة بصرية نابعة من شعور الفنان بالتحرر من القواعد الأكاديمية والفنية المقررة. الخطوط ليست مجرد عناصر تشكيلية في هذا السياق، بل هي أداة لتفريغ العواطف والانفعالات، لتصبح ذات أبعاد فلسفية وجمالية معقدة.
عند النظر إلى هذه الأعمال، نلاحظ أنه ليس للون حدود ثابتة، حيث يخلق الفنان تداخلات بين الألوان بتوازن دقيق يتنقل بين التفاوتات الحادة والتوازنات الرقيقة. هذا التفاعل بين الألوان الباردة والحارة، وتلك المسافات الضوئية بين الظل والنور، يتراكم ليشكل إيقاعًا فنيًا يعكس حالة من التوتر الداخلي بين الانفعال والتأمل، ما يعكس فلسفة فنية تتجاوز مجرد التشكيل الجمالي إلى أفق أوسع من التفاعل بين المضمون والشكل.
تُعد أعمال جان جونون أكثر من مجرد لوحات تزيينية؛ إنها دعوة للمشاركة في عملية التأويل وإعادة تفسير الواقع. كل لون، وكل شكل يحمل في طياته إشارات وتلميحات قد لا تكون واضحة بشكل مباشر، بل تدعو المتلقي إلى البحث والغوص في تفاصيل اللوحة. هذا يخلق نوعًا من التواصل غير المباشر بين الفنان والجمهور، حيث يصبح المتلقي جزءًا من العمل، يتفاعل مع الألوان والخطوط التي تشوش وتجمع معًا في تناغم مشاكس.
الأبعاد النفسية تلعب دورًا محوريًا في هذا التواصل. يبدو أن الفنان في بعض لحظات عمله يتماهى مع اللامحدودية والجنون، حيث تكون المساحات البيضاء والظلال ليست مجرد فراغات، بل هي محطات راحة تنقل المتلقي من الفوضى المرهقة إلى نقطة تأمل هادئة. هذه التغيرات في الحركة والإيقاع بين الألوان تمنح المتلقي الفرصة للغرق في عالم داخلي مليء بالتساؤلات والتأويلات المتجددة.
من حيث الرمزية، يمكن تفسير أعمال جان جونون كاحتجاج ضد التقليدية. فهو يستخدم اللون ليس فقط لإظهار الجمال البصري، بل لإحداث تأثيرات نفسية حادة في المتلقي. اللون الأبيض، على سبيل المثال، لا يبدو هادئًا أو سلميًا في لوحاته، بل غالبًا ما يكون محملاً بالتصادمات مع ألوان أكثر قوة وتحديًا. وبالمثل، تبدو الأشكال في لوحاته، وإن كانت غير مكتملة أحيانًا، كأنها انعكاس للصراع الداخلي بين الأنا الفردية والمجتمع، وبين الذات وواقعها الاجتماعي والثقافي.
هذا التداخل بين الشخصي والعام، بين التجربة الذاتية والتأثيرات الثقافية، يجعل من أعماله مرآة تعكس التوترات في الحياة المعاصرة، مثلما تعكس الحروب الداخلية التي يواجهها الفرد مع ذاته ومع محيطه. لذلك، فإن "جنون" الرؤية الفنية في أعماله ليس جنونًا عشوائيًا، بل هو دعوة لتحرير العين والعقل من القيود المعتادة التي تحد من الفهم التقليدي للفن.
أعمال جان جونون تحمل في طياتها أكثر من مجرد جمالية بصرية؛ هي بمثابة دعوة للغوص في أعماق الذات البشرية، للتفاعل مع الجوانب المتناقضة للعالم من حولنا. ينجح الفنان في خلق عالم فني متشابك ينطوي على عمق فلسفي ونفسي، يتجاوز الشكل الظاهري ليصل إلى جوهر التجربة الإنسانية. وفي كل خط، كل لون، وكل تناقض بين الظل والنور، يثير جونون تساؤلات حول الفوضى والجمال، والواقع والخيال، مما يجعل أعماله أكثر من مجرد فن مرئي، بل هي رحلة في عمق العقل والشعور البشري.
هكذا، نجد أن جان جونون ليس مجرد فنان تشكيلي، بل هو فنان فوضوي يعيد تعريف مفاهيم الجمال والفن في سياق حديث من التحدي والاستفزاز، مما يجعله أحد أبرز الفنانين الذين تمكنوا من مزج التكوينات البصرية مع تأملات عميقة في النفس البشرية.
تم نشره في جريدة اللواء 2016