الفنان غسان زرد للواء: هذا الشكل ليس سلحفاة، البعض أطلق عليه اسم سلحفاة وأنا تبينته

حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل

يؤلف الفنان "غسان زرد" (Ghassan Zard) من الأشكال ما هو غير مألوف، كعمل فني تخيلي بمعايير المواد المركبة الخاصة بالكيان الذي تخطى بتحولاته البصرية والتأثيرات البيئية، ما يجعله يخضع للتغيرات أو ما يشبه شيخوخة الإنسان، ليقترب من الواقع بغرابة رؤاه المتجانسة ضد المفاهيم التي تهدف إلى تحقيق قفزة بمضمونها الفعلي من القيود التقليدية، محاولاً إبراز التقنيات المتطورة في شكل العصب والنُتوءات العصبية التي توحي بنفسيات مختلفة مع الحفاظ على تكوير يجذب الانتباه، لهذا الفن التركيبي الإبداعي الذي يتجزأ من مكونات وخصائص تحقق فلسفة نفسية، يسعى من خلالها إلى إبراز مسيرة الكائن الحي، وتغيراته الداخلية والخارجية وكل ما هو مبهم. إذ يحاول الفنان "غسان زرد" السيطرة على المواد للمقاربة بين الواقع وغير المألوف بعمق فكري يعصف بتنظيم المجموعة تبعاً لما يريد إيصاله إلى المتلقي، ومع الفنان "غسان زرد" أجرينا هذا الحوار:

- سلاحف لتكوير غير مألوف وأبعاد توحي بالغرابة، لماذا؟

هذا الشكل نتج من حلم رأيته. طبعاً، مع العمل لتنفيذ الحلم تغير المظهر ووصل إلى هذا الشكل الغريب. هذا الشكل ليس سلحفاة، البعض أطلق عليه اسم سلحفاة وأنا تبينته، لكنه شكل مبهم يوحي بعدة مراحل، وكل إنسان يفسره تبعاً لخبرته في الحياة. من المؤكد أن البعض يسترسل في أعماق هذا الشكل ومفهومه ويتعمق في الأبعاد الفكرية والفنية له، وحتى الفلسفية.

- جمعت بين مواد غير متآلفة في تركيب هذه السلاحف، صحيح؟ هل تتحدى المواد لتؤكد على التكامل؟

المواد التي استخدمتها قريبة من جلد الإنسان، هي نوع من إبراز الشفافية، وترتخي كجلد يترهل مع الوقت تحت تأثير الشمس، وتظهر الشرايين أو ما يشبهها بالأصح، والمواد تتفتت فيما بعد.. في الحقيقة، من أجل ذلك أحببت استخدام هذه المواد رغم صعوبتها، لأني أحببتها جداً، ولأن النتيجة مرضية أيضاً.

- سلاحف وتكوير أقرب للولادة، ما هي أساسيات هذه السلاحف وأهميتها بالنسبة لك؟

الشكل ليس بالتحديد سلاحف، قد يكون ولادة كما قلت أو فراغاً داخلياً، وربما ممتلئاً يصل إلى حد الانفجار. وهذا التجهيز هو عمل مع "أشكال ألوان" في 2015 مع كريستين طعمة، له قراءات مختلفة، يوحي بلعبة، وهذه الفكرة الجميلة كأن الشخص يلعب بهذه الأشكال، ومن وراء هذه اللعبة تنتج تحليلات سياسية، اجتماعية، حياتية، مثل كأنها تبعية سياسية أو غزو أو تقدم في المجهول. والإحساس بالتبعية السياسية أكبر كما هو معروض في مدينة جبيل، كـ"الخواريف" التي تسير خلف بعضها.

معرض الفنان غسان زرد (Ghassan Zard) في مدينة جبيل (Byblos, jardins de la vieille ville) حتى الثامن من آب 2016، ومن ثم في المركز الفرنسي – صيدا (Institut français de Saïda) من 10 آب حتى 20 آب 2016.

تم نشره في جريدة اللواء 2016

رأيي في الحوار مع الفنان غسان زرد:

يُعدّ هذا الحوار مع الفنان غسان زرد تجربة فكرية وفنية عميقة، تنفتح على مفاهيم غير تقليدية في الفن التركيبي. ما يلفت النظر في حديثه هو رغبته في تحطيم الإطارات الكلاسيكية للفن، وتقديم رؤى بصرية تتجاوز المعنى الظاهري، لتلامس العمق النفسي والوجودي للكائن الحي.

الفنان لا يقدّم "سلحفاة" كما يراها المتلقي العادي، بل يطرح شكلاً يتخطى التعريف المباشر، مما يفتح المجال أمام تأويلات متعددة، ويمنح العمل الفني بعدًا تأمليًا يتجاوز المادة والشكل إلى ما يشبه الرحلة الفلسفية في معنى الكينونة والتبدل.

فهو لا يتعامل مع الفن كوسيلة للتجميل، بل كأداة لاستفزاز الفكر والوجدان، وهذا بحد ذاته أحد أنبل وظائف الفن المعاصر.

أما استخدامه للمواد القريبة من جلد الإنسان، فهو يشير إلى إدراك حسي عميق للحياة، ولتأثيرات الزمن على الجسد، كأنه يصنع شكلاً يتنفس، يتآكل، يشيخ... ككائن حيّ يحمل ذاكرة ما. هذه العلاقة بين المادة والزمن، وبين العضوي والاصطناعي، تعطي أعماله طابعًا إنسانيًا حميميًا، رغم غرابة الشكل.

كذلك، فإن تشبيه "اللعبة" التي تخفي خلفها دلالات سياسية واجتماعية يعكس إدراك الفنان للدور الرمزي للفن، وقدرته على قول ما لا يُقال مباشرة. وهذا الربط بين الشكل الحرّ والمعنى العميق يجعل من تجربته البصرية تجربة مركبة تستحق التأمل.

الحوار يكشف عن فنان لا يسعى لتقديم أجوبة، بل يثير الأسئلة، وهي سمة الفن العظيم الذي لا يُفسّر بسهولة، بل يُعاش ويُقرأ بعيون وقلوب مختلفة.