هل اكتشف الدكتور "ياسين الأيوبي" قوانين عصره في تقاسيم على خد الأصيل؟

كتاب الدكتور ياسين الأيوبي تقاسيم على خد الأصيل

ضحى عبد الرؤوف المل

يبرهن الدكتور "ياسين الأيوبي" في كتابه تقاسيم على خد الأصيل على سمو الأحاسيس الإنسانية في ظل الغيبية القدرية التي تبرر أسمى آيات الحب المرفوعة في كلمات موجهة إلى "هالة" السابحة في ذاتية أصابت الروح باستنارة اجتزائية إلهامية، قادته إلى عوامل فيزيولوجية ميتافيزيقية تتصل بشخصيته الحساسة والمترنمة مع الجمال، مستسلمًا لورقة بيضاء، ولحبر اختلط بالدمع أحيانًا، وكأن الكتاب عبارة عن مختبر نفسي ذي لغة حياتية محبوكة أدبيًا برقيّ رسائل تستمد من هالة وجودًا شاعريًا، ولفيتر العرب صياغة نفسية اقترنت بأسلوب لغوي نحتي، لرسائل تعتمد على مؤثرات تحيط بالعديد من الحواس، لتكون انتقامًا لها بعد ردح من زمن يرحل عنه الأيوبي، وتبقى الحسرة في المعاني التي تعكس حزنه عليها، فيكون انتقامه منها رومانسيًا رقيقًا وشفافًا، وبمضامين نفسية تركها لبث دهشة الحبيبة من الاحتفاظ بتفاصيل دقيقة ربما اختزل من خلالها حضورها الكبير في ذاته الباحثة عن دفء الإلهام، في عذراء أشعلت برودة سنوات عاش في ظلها مع كبرى حبيباته، كما يصفها، مصنفًا "هالة" بالصغرى، والأخيرة بـ"كبرى حبيباتي"، وبتفكيك لعناصر التعلّق بكل أنواعها التي تنطوي على حنين للأخ والأخت ورفاق درب، ولزوجة احتفظ بها في ركن مكين من نفسه لأنها اختياره، وهو يقترب من الأربعين، فهل أدركت الزوجة أن الشاعر لم يبحث عن المجون، إنما عن تلوين الحياة بعصف خفيّ يكمن في الروح المبتهلة إلى الله؟

ما هي آلام الدكتور "ياسين الأيوبي"؟ هل هي تطهير جنوني للذات أم نضج اختزل هزائم الحياة؟ وهل اكتشف بذلك قوانين عصره في تقاسيم على خد الأصيل، التي تشكلت وفق ما أصبحت عليه مشاعره، لتحقيق التوازن بين الخيارات الصعبة التي اتخذها، وهي الحفاظ على زواج تركه بين متطلبات الحياة، أو بالأحرى الأسرية التي افتقدت للاطمئنان ولهدوء السريرة، منصتًا إلى لغة العقل التي لم تنفِ علاقة حب مع تلميذته، التي حثّت روحه على الحب، وبحكمة حظيت بالرضى، وكللها بالأمنيات المستحيلة، لأنه مدرك لفروقات العمر بينه وبينها، مع احتياجات هذا الحب، وحفظه في كينونة الكلمة المُهداة إلى "هالة" خصيصًا، التي ستحيا الحياة، وهي تحتفظ بنكهة لقاءات لا تُنسى، ومع رجل لن يدرك قيمة الجمال الذي بين يديه، لأنه لا يمتلك القدرة الشاعرية التي يمتلكها "فرتر العرب"، المتصوف والمتعفف عن الزنى أو المعصيات، وهو المتلاشي بين الابتهالات والآيات القرآنية، والمتخذ من محراب الحب صلواته الشديدة الصفاء والاتصال الروحي. فهل من غفران لحبيبة تركته ورحلت؟..

يتّسع الأفق الرومانسي في تقاسيم الدكتور "ياسين الأيوبي" لينضج كلما مرّت الأحزان في خاطره، وبوعي تراجيدي يبرّره بالألم من الابتعاد القسري عن حبيبة اختارت زوجًا وتركته يتجرّع الأوجاع التي يترك عطرها في كلماته المبثوثة كفراش يبحث عن زهرة الوزّال الصفراء ليقدّمها لها خصيصًا، لتشعر بالندم والأسى بعد رحيله، وبلذة عقلية لم يبحث من خلالها عن الجنس والوِصال الرخيص، مع حبيبة هي كزهرة الوزّال، التي يتركها كتشبيه غايته وصف الحبيبة دون ابتذال مادي لجوهر روحها الذي عشقه، والذي أثار القصيدة للخروج في لحظات تأملية على أرض البتراء، التي تختزن عظمة حضارة ارتسمت على محياها طيف "هالة"، هي رأس الهرم، بل والحضارة المنفردة بجمالها الحسي، وبمزج امتزج مع وحدة القصيدة شكلًا ومضمونًا، فهل حاول "فرتر العرب" صياغة تقاسيم شرقية نحتها على خد الأصيل؟

تم نشره في 27 \6\2016