اللغة ذات الإشارات الحسية وتنمية القدرة على التخاطب التعبيري
ضحى عبدالرؤوف المل
تُضيف الأعمال الفنية لغةً ذات إشارات حسية تساهم في تنمية القدرة على التخاطب التعبيري لدى الأشخاص الصم. إنها تتيح لهم أن يتواصلوا بصمت مع من حولهم، مما يساهم في تدعيم شخصيتهم وإثراء جوانبهم الوجدانية. من خلال هذه اللغة، يمكن للصم أن يُشكّلوا نافذة يطلّون منها على العالم، حيث يتمكنون من استخدام تعبيراتهم الخاصة في تشكيل لغة قادرة على نقل أفكارهم ومشاعرهم. وهذا يساهم في تعزيز التواصل معهم بطريقة بصرية تُظهر تفاعلهم مع بيئتهم، بعيدًا عن الكلمات التقليدية.
تتمثل أهمية هذه اللغة في قدرتها على تنمية مهارات التخاطب بجمالية خاصة، تعتمد على التركيز ودقة الملاحظة. إذ توفر الأعمال الفنية وسيلة لفتح آفاق جديدة للأصم عبر التركيز على التفاصيل، وتنشيط الذوق الفني، مما يساهم في تحسين قدراته على فهم محيطه بشكل أفضل. يعمل هذا النوع من التعبير البصري على تنمية التآزر بين الإشارات التي يمكن قراءتها بصريًا وبين الانطباعات التي تتركها هذه الإشارات على المتلقي.
من خلال التفاعل مع هذه الأعمال، يتم جذب انتباه المتلقي إلى المعاني الرمزية التي تجسد الأشكال والأحجام والأوضاع المختلفة. هذه الأعمال الفنية لا تقتصر فقط على تقديم صور، بل تُعبّر أيضًا عن سكون يحتوي على مضمون وأسلوب خاص يميز كل صورة عن الأخرى. وهذا التمييز يمكن أن يظهر من خلال تفاصيل دقيقة في اللوحة أو الصورة التي تحاول نقل رسالة حسية لا تنتمي إلى كلمات بقدر ما تنتمي إلى الإحساس والمشاعر.
تخضع اللوحات لرؤية فنية تُولد من حس كل تلميذ من تلاميذ مؤسسة الأب "أندويج" للصم، لتخلق صيغة تذوقية ذات معانٍ إنسانية قادرة على خلق توازن بين الحواس المختلفة، مثل البصر واليد. هذه الأعمال تمنح الأصم الكلمة ذات البُعد الإيجابي، المترجمة بعمق لحواسهم الداخلية. إن كل عنصر فني في هذه الأعمال يهدف إلى إظهار معاناتهم وأحاسيسهم من خلال لغة بصرية حية، مما يجعلها قادرة على التعبير عنهم بأسلوب فني عميق، يفتح الباب أمام التواصل الفعّال بين الصم والعالم من حولهم.
تتجلى الإشارات في هذه الأعمال الفنية كإشارات بصرية وحركية تؤثر في المشاعر وتنقل الأفكار المحسوسة. هذه الإشارات ليست مجرد حركات أو رموز بصرية فحسب، بل هي تعبيرات تمثل ترجمة فنية للمشاعر والأفكار التي قد يصعب التعبير عنها بالكلمات. من خلال هذه الأعمال، يتم الحفاظ على فنية اللوحة ونصها البصري الواضح، بعيدًا عن التفسير اللفظي المباشر. إن جمالية هذه الأعمال تكمن في قدرتها على تقديم إشارات بصرية تشد انتباه المتلقي وتحثه على التفكير في الرسالة المعنوية التي تسعى للوصول إليها.
تهدف هذه الأعمال إلى إبراز قيمة رمزية للإشارات ومعانيها ضمن ترجمات متعددة، تستند إلى الحس اللغوي البصري للأصم. إن الفنون البصرية، بكل مستوياتها وأشكالها، تحاول تجسيد صدق المعاناة الإنسانية، والذهنية الانفعالية للأشخاص الصم، وتعكس ديناميكية الحياة التي يمر بها هؤلاء الأفراد. من خلال الرموز والإشارات، تظهر هذه الأعمال الحسية كأنها مونودراما فنية صامتة، تحمل توازنات خاصة تعبر عن واقع الأشخاص الصم ومشاعرهم الداخلية. وتتمثل هذه الأعمال في تجسيد حياتهم، ليس بالكلمات، بل بالإشارة البصرية التي تعكس معاناتهم وآمالهم وأحلامهم.
إن الصم يستخدمون لغة الإشارة كوسيلة للتواصل مع محيطهم، وهذه الأعمال الفنية توفر لهم فرصة لتوسيع هذه اللغة، لتصبح أكثر تعبيرًا، وأكثر تفاعلًا مع غيرهم. من خلال هذه الإشارات البصرية الجمالية، يمكن للصم أن يعبروا عن أنفسهم في بيئة تتيح لهم أن يكونوا جزءًا فاعلًا من المجتمع، مما يحفزهم على الاستمرار في التعبير عن أنفسهم بكل حرية وإبداع.
إن معرض "Read my Hands" الذي تنظمه مؤسسة الأب أندويج للصم في صالة أكزود، برعاية وزير التربية الياس بو صعب، يمثل خطوة مهمة نحو تسليط الضوء على هذه التجربة الفنية الفريدة. يُعرض في المعرض أعمال تلاميذ المؤسسة الذين استخدموا لغة الإشارة من خلال الفن للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم. يُعتبر المعرض فرصة للمتلقي للتعرف على كيف يمكن للإبداع الفني أن يعبر عن اللغة الإشارية بطريقة غير تقليدية، مما يساعد على تعزيز فهم الأشخاص الصم وتقدير أعمالهم الفنية.
يستمر المعرض حتى 18 حزيران 2016، وهو يمثل منصة فنية متميزة للتعرف على إمكانيات التواصل الفعّال والجاد التي يمكن أن توفرها لغة الإشارة للأصم. كما يُعد المعرض دعوة للاحتفاء بقدرة الأشخاص الصم على التعبير عن أنفسهم في عالم مليء بالمعاني والألوان.
من خلال الإشارات الحسية والفنية، يمكن أن نتخيل كيف يساهم الفن في تحسين حياة الأشخاص الصم، ليس فقط من خلال توفير وسيلة جديدة للتواصل، بل أيضًا عبر تعزيز شعورهم بالهوية والانتماء. إذا كان الفن قادرًا على نقل الأفكار والمشاعر من خلال الألوان والأشكال، فإنه يمنح الأشخاص الصم فرصة لربط أنفسهم بالعالم بشكل مختلف، بطريقة تتيح لهم التعبير عن أنفسهم دون قيود.
الفن، في هذا السياق، يصبح أداة لتغيير المواقف الاجتماعية والثقافية تجاه الصم، حيث يعكس قدراتهم الخاصة ويعزز فهم الآخرين لاحتياجاتهم وطموحاتهم. مع مرور الوقت، قد تتحول هذه الأنشطة الفنية إلى حركة اجتماعية تحفز على تمكين الصم من الوصول إلى مزيد من الفرص في شتى مجالات الحياة، سواء في التعليم أو العمل أو الفنون.
في النهاية، يُظهر هذا النوع من المعارض أن الفن ليس مجرد وسيلة ترفيهية أو جمالية فحسب، بل هو أداة قوية تساهم في تكوين مجتمعات شاملة، تراعي اختلافات أعضائها وتتيح لهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم بحرية.
تم نشره في جريدة اللواء