رُبمّا..
قراءة في كتاب "ربّما" للقاص والروائي "إلياس العطروني"
ضحى عبدالرؤوف المل
وجه فجر مثل وقع القنبلة، والحروف مغزولة بإيقاع تترنم معه المعاني وانعكاساتها على القارئ، بأسلوب اختزالي شديد الحبك في غزل معاصر ذي قضايا تحمل من الهموم الذاتية ما هو ممتد مع الصيغة النثرية المتحررة من معاني النصوص التي اخترقت بناء قصيدة وهمية اعتمد عليها "إلياس العطروني" بروحية قاص أصيل في تحديد مسارات الكلمة وأبعادها، متجاوزًا حدود النص. ليطرح من خلال ذلك عدة إشكاليات تتفاوت في قيمتها الاجتماعية والوجدانية، وحتى تلميحاته السياسية، كتلك التي يستخرجها من مخزون الذاكرة بوصف يعكس مفاهيم أدبية خاصة. وانتقالات شعرية من نص إلى نص، ليتجاوز عن خصوصية مفارقات كل نص وتصوراته المرتبطة بشعرية القارئ، ومدى تناغمه مع النص، وبتفاوت بلاغي شعري ذي نغمة. ثمة قواسم مشتركة عديدة تجمعها مع هوية قاص يعالج النص النثري باجتزاء نظمه عبر مكونات المعنى، وحيوية اللغة التي استخدمها ومحاور الارتكاز التي استحوذت على العنوان، ليتفاعل الكل مع الجزء بتنوع حافظ فيه على فرادة التراكيب. "ها بندقية \ تطلق النار بشكل مستقيم \ تجدع أنف الخنوع \ من قال إننا اعتدنا \ على سوط اللئيم."
ثمة الكثير من الرموز التي تمثل الموت وطبيعته الفجائية بتفلت يستعصي فهمه على الآخرين. وإذا كان الحزن إحساسًا بقسوة الرحيل، فإن استخراج اللحظة من الذاكرة هي الأصعب في تشكيل الصورة الراسخة في الخيال الحقيقي المستقر في قعر الزمن، الذي هو وداع آذار وربيع قادم مع نيسان حزين امتزج مع إكسير الألم الذي بقي ضمن أزمنة لم تترك للأطفال البقاء، فاستعارات الزمن لتتوالى مع الشهور، والشكل الوداعي لدمعة على أطلال تموز لها مضمونها وقيمتها الجمالية بإشارات تأبى إلا تجسيد لحظة جمع البنيان، والأحمر المنساب. "جمعت بنياني... وأسرعت أرى!.. لم أصدق!.. إن هذا قدرك!" بطابع الرضا والامتداد القدري لكل ما جرى. فهل لعناصر الحركة في نصوص "العطروني" موسيقى موت لأطفال تبحث في العدم؟
الطمي وصعوبة في حرف ثقيل على نحيب عرافات، وعيون البوم، وطبول الرعاة، ورغم كل اللغة التشاؤمية، ترك للون الطمي بياضه، كفسحة أمل لتاريخ تصدرت عباراته أسماء أسطورية اختارها بلغة الفص العقلانية، القادرة على الاختزال الشديد برمزية توحي بقوة الصورة، والمعنى دون الاقتراب من انتقالات إنشائية، تاركًا للأسلوب نغمة استفهامية لتكتنف التساؤلات القارئ. فالأفعال والحركة بدلالتها توقظ باقي الملامح المتخيلة من كلمة لا يكررها لثقته الشديدة بما تركه في النص من مفاتيح تشكل كل منها الدخول إلى عوالم الحلم، والواقع عبر الذاكرة التي يستنبشها كل حدث تأثر به وتركه في نصوص "ربما".
سريالية الأنين وإشكالية الأشواك وانعكاساتها على عري الحقيقة واكتشافها، أو ولادة السنابل وموتها، ودلالة القنفذ في لعق الأشواك، وكأن القسوة لمن أراد الدفاع عن الدماء في تكبيل قاتل، وتشبيه يقسو بشدة على قسمات جدلية تتخذ من الأنين والسبحة المنسية علامات استفهام تفيض في كتاب "ربما" بالمعنى الحقيقي أو المجازي لأنها تشكل قوة لطرح السؤال. هل تحولنا نساء؟ والجواب إن أتى سيكون عكس الشمس، أو بالأحرى: إلى يوم القيامة سنسأل عن الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابات حاسمة، وما من أحد يجرؤ، فاللغة هنا هي المفاتيح الداخلية القادرة على انتزاع الإجابات، وتدشين النص لتلملم القصيدة نفسها، وتتحول إلى مقاطع شعرية تتميز بحركاتها الست. فهل من مقاطع أساسية لها استثناءات في الصياغة بتواتر ارتسمت من خلاله الأنين؟
انسجام الذاكرة مع الإشكاليات الواقعية المتخيلة هي تركيب استخدمه لبناء صورة شعرية في نصوص ذات سمة سريالية في معظمها وتتلاقى مع روح القص في رؤية حافلة بالملامح الاستنكارية أو الانتقادية الساكنة بين المعاني المتحركة، لتكون لغة الإشكاليات هي الأصوات التي اختارها من داخل الزمن ومكوناته، وبانصهار مفعم بالاستبطان لألم يعتصره العطروني في "ربما"، وبتعابير مكللة بعدة محاور يلج إلى كل منها بعناوين حققت وظيفتها في اقتناص الدلالات. فهل يتحدى العطروني في كتابه "ربما" القصة لتكون بين ثنايا نصوصه كجزء من لغة ثابتة في خلق المشهد والتحكم به؟
تم نشره في جريدة اللواء