للرب والبلاد
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في كتاب "الأعداء" للكاتب تيم واينر
بدا هوفر في كتاب "الأعداء" للمؤلف الصحفي تيم واينر هو النقطة المتحركة التي يرافقها القارئ عبر الأحداث التي يرويها المؤلف بحنكة صحفية جعلتني أتساءل عن فن التحريف السياسي، ماهيته وكينونته، أو بالأحرى جوهر بحث كتاب "الأعداء" إن صح التعبير، فهو أشبه برحلة هوفر عبر تاريخ ال" أف. بي. اي" حيث تعلم هوفر آلية الاعتقالات والتوقيفات الجماعية في سنته الأولى في وزارة العدل مشيرا بذلك إلى آليات مختلفة يتعلمها الفرد الاستخباراتي الضالع بأمور الحكومة، أو البلاد التي يضعها بالمقام الثاني بعد الرب، والجرائم طالت أكثر من 1055 شخص كان أكثرها جرائم أقوال لا أفعال، فهل نشهد على صراعات يعيدها التاريخ ، إنما بلغة تم تحديثها، لتكون ضمن تاريخ الأعداء الجديد؟
من أجل الرب والبلاد إيمان رفعه هوفر الذي ارتقى بسرعة قمة القسم المسمى" مكتب العدو الأجنبي" لنغوص بعدها في مراحل حياته التي تشدد في قسم منها على صلواته بطاعة يصفها المؤلف تيم وينر إنها ناتجة عن المعارف التي نهل منها في قاعة القراءة المركزية في مكتبة الكونغرس قبل أن يلتحق بوزارة العدل، لخوض الحرب في الوطن، وكأن تيم واينر يضع الأسس في تمكين القارئ للدخول بما يسمى الهدف المنشود في تحقيق المعرفة لدى القارئ بكيفية بناء الشخصية المخابراتية القائمة على حب الرب والبلاد، ومن ثم المعرفة قبل أن ينطلق إلى حماية الدولة من الإرهاب مع أوبرايان رأس الهرم الذي كان يراقب هوفر وزملاءه، وهم يعملون في درء كل هجوم على الأهداف الأميركية. فهل الإرهاب هو صناعة عرفها العالم منذ قرون طويلة أو حتى العصور البدائية ؟
"المقاتلون الفوضويون" وتفجيرات متعددة هزت "بالمر" كما هزت الرأي العام، وكأن تيم واينر يكتب رواية مخابراتية، أبطالها من حقيقة دسها في أوراقه الصحفية التي أخرجها للنور، ربما ليعطي التاريخ دروسا بالماضي، لأن الحاضر الأمريكي مبني على إعادة تاريخها الأسود في البلدان العربية، أو ربما لإلقاء الضوء على الأحداث التي جعلت من أمريكا قوة لا يستهان بها من حيث جهازها الاستخباراتي، وصولا إلى من يدس السم في الدسم لدولة بات صناعها من أقوى الصناع في العالم، كما يبدو من كتاب "الأعداء" الذي وضعه هوفر كنقطة مركزية للنظام البدائي للاستخبارات المركزية.
سرد استخباراتي لسلسلة أحداث تاريخية يسلط تيم واينر الضوء عليها واضعا القوة المركزية في الكتاب على عدة شخصيات أبرزها هوفر وبالمر، مع إظهار أهمية الفن الاستخباراتي في الحفاظ على الأوطان ، برغم قساوة الفكرة وتنفيذها حتى قبول معادلة الربح والخسارة أمام بقاء الوطن ومحبة الله التي يشدد عليها هوفر منذ البداية ، وكأن الالتزام ببقاء الوطن سليما معافى كبقائه الذاتي في سلم الأولويات لخدمة بلده دون التفكير بالتدرج الوظيفي، أو العبث بالفكر الإنساني الذي يقود جهاز استخبارات دولة كأمريكا التي يراها كبيت والدته التي بقي وفيا لها حتى بعد مماتها، وهذا لا يعني أن فكرة الخوف من فقدان الوظيفة لم يجد أهمية عند هوفر بسبب الأعداء الكثر في المناصب المرموقة .
أبقى تيم واينر على الحوار الذي عصف في ذهن القارئ من كل النواحي، وكأن الفن الاستخباراتي في الكتاب هو ضمن تكتيك هوفر نفسه وبعيدا عن علم الاستخبارات، بمعنى تطرق إلى فنية الأداء لرجل الاستخبارات، وقدراته في الكشف عن المؤامرات التجسسية، بتحليل ورؤية استراتيجية قادرة على التدخل السريع في أي لحظة يتم فيها التهديد القومي للبلد، لكنها مجرد سياسات داخلية تهدف إلى آلية الكشف عن أي مؤامرات أو دسائس قد تضر بسياسة الدولة نفسها دون الاهتمام بمعارضة داخلية قوية قد تنشأ وتثير بلبلة ، وضجة هو بغنى عنها، أو دون الاهتمام بإظهار الحقائق كاملة تاركا للحقيقة الكاملة مثاليتها الطوباوية ضمن العلم الاستخباراتي الذي يطرحه في الكتاب، لتكون آلية الكشف هي ملاحظات يتم جمعها بدقة كبيرة، وبخبرة فنية استخبارية لها منظومتها المعقدة أهمها" نظير الأطفال الضائعين في الغابة" لأن نظرية العلم الاستخباراتي هي الحرب سلاحها المعرفة والقدرة الاستشرافية لقراءة عقل العدو، وكأن القراءة التحليلية مبنية على استنتاج الأدوار السياسية الفجائية التي يجب على الاستخباراتي التحصن منها، ليكون لين الأداء، وقادرا على خلق تكنيك بديل يتماشى مع الفترة الفجائية التي تفرض نفسها قبل تنظيم العالم، والدخول في الجزء الثالث من الكتاب، وهي الحرب الباردة.
كتاب يرسم هيبة الولايات المتحدة الأميركية ووقارها المبني على أهمية الجهاز الاستخباراتي، ولو بخرق القوانين نفسها، وكأن الغاية تبرر الوسيلة حتى في الحفاظ على الحقوق الشرعية للبلاد. قانون يسرده تيم واينر عبر سيرة ذاتية استخباراتية تهدف إلى رسم رؤية صحفية بحتة، أو رواية استخباراتية ذات هيبة ووقار منحها لهوفر الرجل الاستخباراتي الأقوى في هذا الكتاب الذي يكشف عن العديد من القضايا السياسية، أو الأنظمة التي يتقيد بها جهاز ال" اف. بي. اي" وبوثائقية جمع فيها العديد من التواريخ، وكأنها مذكرات هوفر الشخصية التي تبوح بتفاصيل لا يمكن لرجل مخابراتي مثل هوفر أن يبوح بها حتى عبر مذكراته، إذ تبدو الحبكة الوثائقية في الكتاب أو السردية هي تحليلات صحفية ومعلومات تاريخية مهمة تم تحليلها بالمنطق الاستخباراتي مع دقة في الخبر الصحفي وأهميته، وهذا تم التلميح له في فصل المكاشفة، إذ يقول :"وهي تاليا مذكرات هوفر، تتألف من سرده التاريخي السري للحرب الباردة." لكن الكتاب يمنح القوة الاستخباراتية قوة وجودية مبنية على شخصية الرجل الاستخباراتي، وإخلاصه للرب والبلاد.
Doha El Mol