قراءة في كتاب "أنماط الديمقراطية" للمؤلف "أرند ليبهارت"

ضحى عبد الرؤوف المل

يعمل المؤلف "أرند ليبهارت" في كتابه "أنماط الديمقراطية"، الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، على جمع الأنماط الديمقراطية في أكثر من ست وثلاثين ديمقراطية في العالم. لنركب أمواج الديمقراطيات عبر فصولٍ تعددت عناوينها، التي أخضعها للبحث والتحليل، ولمعايير ارتبطت بإحصاءات ودراسات أدخلت الكثير من التغييرات على الفكر الديمقراطي بوضعه تحت المجهر، ليكون بنقاطه البيانية والمرسومة بتقنية فكر ذي حنكة وتنظيم، بل فكر يبحث عن نتائج تمهّد للباحثين تيسير بحوثهم المرتبطة بعدة مواضيع تناولها "أرند ليبهارت" ديمقراطياً، برسم خارطة مفاهيمية ثنائية الأبعاد تشرّع بمفاعيلها أو بمفاتيحها الدخول إلى ديمقراطيات الدول التي وضعها تحت المجهر، ضمن الخصائص والظواهر السياسية، دون أن ينسى الظواهر الأخرى المؤدية إلى خلق الأنماط الديمقراطية في العالم.

إشكاليات قسمها لتكون أمام القارئ كمحاضرات منفصلة، اتصلت عبر الأنماط التي تسلسلت بتوافق فكري وتعريف لحكم الشعب، والمصالح المتباينة بدمج وجهات النظر واستعراض الأمثلة من كافة الديمقراطيات، والمستقاة كنماذج لها خصائصها في إظهار قيمة توافق الأغلبية، ليهيمن على الإشكاليات الأخرى بوتيرة تنخفض وتعلو مع الاختلافات الاجتماعية والسياسية، بما يتناسب مع رؤيته الديمقراطية، وبموضوعية خصص لها المصطلحات المتناقضة والمتوافقة. ليكون على حياد في إبراز الإشكاليات التي تتعرض لها أنماط الديمقراطية في العالم، دون استنتاج يفرضه في الفصول كلها، إنما ليستنتج القارئ معه الفصل السابع عشر ببساطة شديدة، مركزاً على الخريطة المفاهيمية لديمقراطية ثنائية الأبعاد. ليبقى الملحق كنقطة ضوء أخيرة تحظى بالقبول عند القارئ أو المفكر على السواء. إذ يشدد على نموذج ويستمنستر في المملكة المتحدة، للإشارة "إلى الخصائص الرئيسية للمؤسسات البرلمانية والحكومية البريطانية. حيث يجتمع برلمان المملكة المتحدة في قصر ويستمنستر في لندن. وتُعد النسخة البريطانية من نموذج ويستمنستر المثال الأصلي والأشهر له". فهل يؤمن "أرند ليبهارت" بالأنظمة القائمة على التعددية، أم بإظهار فعالية التمثيل المتناسب في دول ما، وفشله في دول أخرى؟

في تعريفات للديمقراطية، تظهر المعايير الثمانية التي قدمها روبرت داهل في كتابه الفذ "دولة التعدد"، على أنها ما زالت تلاقي تأييداً واسع النطاق، واصفاً إياها من ظواهر القرن العشرين، مع إدراج ثلاثة نماذج تقع على الحد الفاصل الذي شرحه شرحاً كاملاً، مع إظهار النسب والنقاط الإيجابية والسلبية بحيادية، مع إبراز الجوانب المهمة في التصنيف الذي اعتمده بالجداول التقريبية، من تاريخ العودة إلى النظام الديمقراطي كنوع من الدراسة الإحصائية، والفروقات السكانية التي تتسبب بتغييرات في المعايير، أي معايير النجاح أو الفشل، ليستنتج أن الديمقراطيات الأقدم هي الأغنى. فهل استطاع هنا ترك انطباعاته عن دراسته؟ أم أنه شارك القارئ بالاستنتاج، بعد تفصيل شرح من خلاله فكرة المعايير الثمانية بكل أبعادها؟

الأنماط المتعددة الأحزاب، المنشقة منها والمتصارعة، والمؤثرة في شكل البعد وقضاياه المرتبطة بعدد الأحزاب، للتمهيد في الدخول إلى مجالس الوزراء في فصل سادس، بحوافزه في ظل الأنظمة الرئاسية، بائتلافاتها الكبرى والجزئية، والعلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ليمسك بالقارئ في هذه الفصول التي تطرح أنماط الهيمنة وتوازن القوى، إضافة إلى الأنظمة الانتخابية والشرح المفصل للفجوات بين نوعي الأنظمة. إذ تلعب الأبعاد النسبية في الدراسات التي يقدمها أرند ليبهارت دورها في تحقيق المتعة للقارئ، دون الإحساس بتوجيهات الكتاب التي تأخذه نحو الأنماط ومستوياتها، وقدرتها على بسط سلطتها بفائدة أوجه الشبه بين البلدان التي اعتمدت الأنماط بكافة قدراتها، في تشكيل مؤشرات تقود الذهن إلى مراكز السلطة في العالم وتشريعاتها وتقسيماتها، باهتمام بحثي ينم عن تطلعات إصلاحية لعالم يؤمن بالأنماط الديمقراطية، باستعراض الإيجابيات والسلبيات والافتراضات والتطلعات المؤثرة على صنع السياسة في العالم. فهل استطاع "أرند ليبهارت" منح القارئ صورة كاملة عن إخفاق ونجاح الديمقراطية الفعالة في العالم؟

تم نشره في جريدة المدى