معرض أول للفنانة "ريما منصور"، التي تتحسس المواد عبر تقنيات مختلفة.
يتساوى الرجل مع المرأة في لوحات الفنانة "ريما منصور" (Rima Mansour)، فتختلط الصفات مع القضايا الإنسانية، تاركة خيطًا فاصلاً بينهما عبر الخطوط الرفيعة والعريضة، التي تميز بها ـ بشكل نسبي ـ الرجل عن المرأة، مع خربشات دقيقة في جغرافيتها، وكأنها تهرب من الخاص إلى العام، لتحرر ريشَتها، أو بالأحرى سكينتها وأدواتها الحادة الشفافة، في خلق الأشكال والأحجام بعفوية المواد المختلفة التي تستعملها كخامات. إن القماش أو الخشب والكولاج والألوان، تثور على الواقع وتدير ظهرها إلى المفاهيم الإنسانية المشوهة، التي تستنكرها بأسلوب رمزي يتيه فيه المتلقي.
معرض أول للفنانة "ريما منصور"، التي تتحسس المواد عبر تقنيات مختلفة، لتخلق اتجاهاتها الفنية عبر مواضيع إنسانية ترى فيها الإنسان بصفة واحدة، لتتوحد شخوصها في الهموم، أو بالأحرى في الأفراح والأتراح والانتهاكات والأحزان، فاصلة بين الأجزاء بقسوة سكين تقص الخط وتفصله، أحيانًا بجعلكة لها جمالياتها في كسر المألوف، وترك اللوحة مفتوحة على عدة تأويلات، تعالج كلٌ منها الفروقات الوجودية للإنسان وواقعه، الذي يتجلى في مساحة ضيقة تتركه بين الأنا والذات، تائهًا دون تحديد المسار. لهذا نراه في لوحاتها، إما واقفًا أو جالسًا يدير ظهره للمتلقي، وكأنه يرى معها مشاهد الحياة ببؤسها المشحون في الألوان الترابية الغامقة بنسبة عالية، أو ببرود الأرض التي وُلد منها الإنسان وإليها يعود. فهل تفتش الفنانة "ريما منصور" عن ذاتها في لوحاتها الفنية؟ أم أنها تمارس، عبر تقنيات الفن المختلفة، اكتشاف مسارها الفني من خلال الكشف عن معاناة الإنسان بشكل عام، وكيفية ترجمتها تشكيليًا؟
التطور الإنساني بين الماضي والحاضر، والوقوف في مواجهة الذات؛ هذا ما يمكن قراءته من لوحات الفنانة "ريما منصور"، وخطوطها بمختلف قياساتها وتعرجها وتقطعها، وحتى تذبذب انفعالاتها والخوف الملموس في اللوحة، وكأنها في معرضها هذا تواجه عدة امتحانات داخلية وخارجية لإثبات ذاتها في شخوص لوحاتها الغامضة. وغالبًا ما نراهم بمقاييس متقاربة، وبتباين رمزي ضمن خطوط تتقاطع وتتلاقى، وأحيانًا تتلاشى بوعي، تجمع فيه رؤيتها الانعكاسية للإنسان وتفاعلاته، بإلقاء الضوء على معاناته ضمن وضعيات مختلفة يتخذها في لوحاتها الباحثة عن المسار الفني والإنساني، ذي التطلعات والأحاسيس القائمة على الطابع الاجتماعي وظواهره البنيوية والمعنوية، إن من حيث المشاعر وترجمتها بالألوان والخطوط، عبر أسلوب يتميز بالقسوة في خلفيته ولغته الخاصة.
حوارات صامتة ودلالات مطموسة، صهرتها الفنانة "ريما منصور" في اللوحة، بربط إنساني مغروس في فضاءات اللوحة وتخيّلاتها التأويلية، المتقاطعة مع المواد المختلفة وتقنياتها وطرق تنفيذها أو تشكيلها في لوحة، كانت تحتاج لمساحات تتسع بشكل أكبر للضوء خصوصًا، وإن كانت الألوان بمثابة لسانيات تبوح بشتى المعاني التي تسهم بمحاكاتها، بإظهار العلاقة بين الشخوص والفنانة وسكينتها، بدءًا من الإيهام والتخييل، وصولاً إلى الواقع التصويري، ذي التعبير المفتوح على رؤى متعددة، مما يعكس ما يتم ممارسته في الحياة من معاناة إنسانية وغيرها، ضمن حدود ضيقة هي حدود اللوحة، وفي بعض الأحيان الخروج عنها بقلق يتخذ في اللوحة عدة معانٍ ترصد فيها المتاعب، وخنق الحريات، والكبت، وما إلى ذلك.
اهتمت الفنانة "ريما منصور" بخصائص الشكل أكثر من اللون وتعبيراته، فالعناصر الخارجية للوحة لم تتوافق مع الداخلية. كما تفوقت معاني اللوحة المعرفية على الشكل. إلا أن الأسلوب الهادئ، رغم قساوته المبطنة، خلق محاكاة من نوع جمالي خاص ـ ربما! ـ أظهر أسلوبها في المعارض الأخرى. فهل تحدد لوحات "ريما منصور" مسارها التشكيلي القادم؟
أعمال الفنانة "ريما منصور" (Rima Mansour) في غاليري زمان، بيروت الحمرا (Gallery Zaman)، ويستمر حتى نهاية شهر نيسان 2016.
ضحى عبد الرؤوف المل
dohamol@hotmail.com