"مثل القمر" مسلسل بدأ بإطلالة وجه جديد تم تدعيمه بأبطال من العصر الذهبي.
ضحى عبدالرؤوف المل
لعب الزمن في المسلسل اللبناني "متل القمر" دوراً مهماً في منح هذه الدراما نكهة قديمة، أعادت إلى الذاكرة قيمة الزمان المرتبطة بالأماكن التي تم التصوير فيها، مع العادات اللبنانية القديمة التي لم تظهر بأكملها، إلا ضمن بعض المشاهد البعيدة عن الريف. وبالرغم من التقصير في دراسة الزمان والمكان بدقة ليكون نافذة تراثية يطل منها شمال لبنان، خصوصاً نحو العالم، فإن الدراما المقتبسة عن قصة عاطفية تربط فتاة فقيرة بشاب من عائلة غنية، تبدأ المفارقات فيها بغزل المشاهد تباعاً دون تغيير يُذكر في بداية الحلقات التي تم عرضها حتى الآن. فالصناعة الدرامية لم تكن يوماً موجهة إلى وجوه تمثيلية تستعد للانطلاق نحو النجومية بأدوار لا تنتمي إلى البيئة بشكل فعّال، وإنْ ضمن زمن سجّل الجمهور إعجابه به لأنه أطلّ منه إلى فترة الأجداد نوعاً ما ودون تقنية العصر الحديث. ولكن، أين مصداقية الزمن في الدراما العربية، وخصوصاً في مسلسل بدأ بإطلالة وجه جديد تم تدعيمه بأبطال من العصر الذهبي؟
أغنية البداية وكلمات "سليم عساف" التي حملت اختصارات لقصة، نجح مؤلف الأغنية فيها أكثر من "داليدا حداد" في سيناريو لم تحمل تغيراته العربية أي فروقات تُذكر، لتكون الأغنية برومانسيتها الدرامية العنصر الأساسي في التقاط السمع عند الجمهور، وبحسّ درامي تكامل مع صوت "وسام صليبا" والألحان الرومانسية الغارقة بالإيقاعات المدروسة، مع الآلات التي توافقت مع الكلمات واللحن والصوت. فالنجاح بدايةً كان لتتر استطاع كسب وجدان المتلقي، لنتابع الحلقات تباعاً بتشويق بدأه مؤلف التتر "سليم عساف"، وزاد اللحن والصوت في قوة الجذب وعصف الذهن لمعرفة محتوى هذا المسلسل الذي بدأ بتتر أقوى منه. فهل الإنتاج اللبناني عاجز عن التأليف الدرامي بينما هو قادر على الاقتباس؟
ترك المخرج "نبيل لبّس" هذا العمل في بداياته، لينتقل الإخراج إلى المخرج "سيزار حج خليل"، الذي يحاول قدر المستطاع تنفيذ الحلقات بإيجابية ربما رفعت من نسبة جمالياته قليلاً. إلا أنه ما زال درامياً دون المستوى المطلوب، أو على الأقل دون مستوى طموحنا الدرامي الذي تجدد مع إطلالة الممثل المبدع "عصام الأشقر"، والإتقان الذي لا يحتاج إلى دربة مخرج، فقد أضاف بوجوده عاطفة مزدوجة وتأثيرات تمثيلية جمعت الأجيال من الجمهور اللبناني، ما بين صوته الهادئ وإطلالته المميزة، التي واكبها أيضاً القدير "جهاد الأطرش" مع الفنانة "وفاء طربيه"، والفنان "عمر ميقاتي". لتكمل الفنانة "وداد جبور" بث المسلسل نوعاً من الحبور النفسي، فقد أمسكت بالخيوط الدرامية بمجهود شخصي لم يضف إليه المخرج أي نوع من الإرشادات التي يمكن وصفها بالإبداع، بل! على العكس، أضافت الفنانة "وداد جبور" لـ"ستيفاني صليبا" وجوداً درامياً مدعوماً بخبرتها، وجمالية تقمّصها للدور الذي بدا التفافاً نحو الممثلة "ستيفاني صليبا" لتكون وجهاً جديداً في الدراما اللبنانية. فهل فروقات دورها بين الفتاة الفقيرة والفتاة الغنية تم تقمّصها بشكل جيد؟
لا يمكن وصف العمل بالسيئ درامياً، ولا يمكن منحه صفة المسلسل الناجح على الصعيد التقني، بالرغم من جذبه للجمهور الذي بدا مشدوداً نحو قصة تم اقتباسها تحت ظل النجاح الذي حققه مسلسل "ميرامار" آنذاك. إلا أن "داليدا حداد" لم تحاول منح الفكرة عدة تغيّرات تُحدث عصفاً درامياً، لتكون بمثابة الاقتباس الناجح، الذي يواكب المجتمع اللبناني بمختلف معاييره، لإظهار المشهد الحسي بأبعاده الفنية المكتملة، إن من حيث القرية وعاداتها وتقاليدها، أو المدينة والاختلافات البيئية فيها التي يصعب على فتاة فقيرة التأقلم معها بشكل مقنع ومنطقي.
أما الفنان "وسام صليبا" وغموضه التعبيري في التمثيل، فينبئ بولادة فنان يحمل كاريزما عالية، فالتفاعل مع "ستيفاني صليبا" منحه راحة في إظهار مكنونه العاطفي، وبعقلانية الممثل الواثق بدوره، وإنْ ببرودة أصبحت من ضمن أسلوبه التمثيلي أو الطابع الخاص له، مما يجعله من الممثلين القادرين على إعطاء الدور بصمته الخاصة.
وجوه أبدعت واستطاعت التأثير والإقناع، بل ومنحت المسلسل روحية درامية خاصة تركت أثرها في نفس الجمهور، إن لم نقل رفعنا القبعة لهذه القدرات التي اخترقت الأحاسيس وأحدثت دهشة في الأداء، مثل "كاتيا كعدي"، ريموندا، وحبيب الأعور المشوه، والعامل في المزرعة الذي قام بتدريب قمر على الفروسية. إضافة إلى التصوير الخارجي وتنقلاته، مع الصعوبة التي ندرك أنها تحتاج لتقنيات بشكل أكبر. إلا أن التصوير ببساطته عكس جمالية المشاهد الداخلية والخارجية بنسبة لا بأس بها، خصوصاً في الأماكن التي تحمل روحية الفن المعماري القديم مثل الكازينو والقصر وبعض الأماكن الطبيعية، خلافاً للصوت الذي لم يحافظ على الصفاء والترددات بمستويات تناسب المشهد. فهل لسرعة تنفيذ العمل سلبياته الطاغية بشكل عام؟ ولماذا لم يضع المنتج قدرات هذا العمل في قصة تستحق أن تكون بعيدة عن الاقتباس؟
تم نشره في جريدة اللواء عام 2016