لوحات حافلة بالتأثيرات البصرية

ضحى عبدالرؤوف المل

يلتزم الفنان "أسادور" بالقواعد الهندسية التي يفرضها بصريًا على لوحاته الاشتقاقية، مستلهمًا من تأملات عميقة في الفضاءات التخيلية المفتوحة على عدة تساؤلات، ومن دون شروط الواقع المفروض على الإنسان. إذ يميل إلى البساطة المعقدة في شكلها اللانهائي، والعودة إلى ما قبل الولادة ونقطة الدائرة أو بداية الخط، وكأنه يمارس من خلال الفن نوعًا من "المانديلا" الممزوجة بعدة ثقافات وديانات. ليستخرج جوهر الرؤية من كل ذلك ببصيرة تجريدية، يعيد من خلالها للشكل هندسيته أو أسس البناء الجمالي، مع الحفاظ على محور الارتكاز البصري والمحيط المتسع لضم الفكرة إلى النقطة التي ينطلق منها في "نيرفانا" تشكيلية تحاكي كل متذوق لهندسة الوعي البصري، الذي يعيد إلى الفكر حقيقة الكون ودقته في الخطوط والألوان والإشراق. فهل مارس "أسادور" دور الناسك في رسوماته؟

يعكس "أسادور" الأضداد، لتتوافق العناصر بتناقض فراغي يملؤه بالإيحاءات المستفزة للذهن، للبحث عن "الذات" في لوحة كونية تميل إلى التعبير عن قوة التناغم بين الأشياء، وبجدلية النقطة والخط وقوة كل منهما في خلق الشكل والتعدد الكلي والإيقاعي، وبهيكلية ثلاثية غالبًا ما نراها كعلاقة بين المربع والدائرة والمستطيل أو بين النقاط والخطوط والاتجاهات بكل مساراتها الساكنة والمتحركة وحتى الفراغية منها. إذ تمثل الإنسان وتأملاته السابحة في فضاءات الخيال، وكأنه في طقوس عبادية هي تأمل هندسي بحت. لهذا يشعر الرائي براحة نفسية عند تأمل لوحات "أسادور" بكل اختلافاتها، لأنها تنطلق من فكرة الفضاءات إلى نقطة هي الذات، والعودة إليها من خلال لوحات حافلة بالتأثيرات البصرية.

تبرز جاذبية الأشكال بنسبية مدروسة في لوحات "أسادور" بتوازن مفاهيمي له فلسفته اللونية الخاصة، وبرمزية غالبًا ما يعيد لها قيمة أصل الأشياء بصفاء الوعي الفني والتجرد من الاكتمال الذي يبحث عنه من خلال الشكل، وكأن كل عناصر اللوحة تتحرك بصريًا، والسكون الفراغي هو نوع من القداسة الذي يترجمه العقل الباحث عن الكينونة الفطرية، ولا نهائية الحركة الدورانية التي تطوف معها الأشكال في عمق اللوحة. إن تأملنا بشدة فراغاته المدروسة وبحثنا عن المقاييس الحقيقية التي يتركها للمتأمل، نجد لوحاته تضئ جوانب فكرية متعددة ذات غاية تفكّرية. هي حركية في دلالاتها، وساكنة في تخيلاتها، وإيقاعية بوحداتها الصغيرة والكبيرة وتفاصيلها المبنية على التكرار والتشابه والتباين بين مساحات الفراغ وأبعادها. فهل يمكن التقاط عناصر الطبيعة الكونية من لوحات "أسادور" وإدراك العمق النفسي من حقوله البصرية؟

أعمال الفنان أسادور (Assadour) في متحف سرسق (Musée Sursock) ويستمر حتى 30 أيار 2016.

تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2016

رحلة عبر الأبعاد الهندسية في فضاءات الفن البصري

ضحى عبدالرؤوف المل

يُعدُّ الفنان أسادور واحدًا من الأسماء المبدعة التي تركت بصمة قوية في عالم الفن البصري المعاصر، متجاوزًا حدود التقليدية ليُقدّم لغة فنية جديدة تُعبّر عن الأبعاد الهندسية والروحية في آنٍ معًا. من خلال لوحاته المليئة بالتأثيرات البصرية، يستكشف أسادور أبعادًا لا متناهية من التجريد البصري، محاولًا إعادة تعريف التفاعل بين الفن والمشاهد عبر سلسلة من التكوينات التي تتنقل بين الواقع والمفهوم.

في جوهر أعمال أسادور، يتجلى تأثير الهندسة كأداة أساسية للتعبير عن الرؤية الداخلية للعالم. فالفنان لا يقتصر على الأشكال الهندسية التقليدية مثل الدائرة والمربع والمستطيل، بل يعيد تشكيل هذه الأشكال ليمنحها حياة خاصة عبر تداخلها، تحولات الخطوط، والتفاعل بين المساحات الفارغة والمملوءة. أسادور يتلاعب بمفاهيم الهندسة بطرق مبتكرة، حيث لا تقتصر اللوحات على تمثيل الأشكال بحد ذاتها، بل تُعبّر عن الفضاء الذي تشغله هذه الأشكال، وطريقة تفاعلها مع المشاهد.

تتعدد المعاني في أعمال أسادور: فنًّا يتداخل فيه البصري مع الذهني، والمرئي مع الخفي. عندما نرى النقطة تتكرر في لوحاته، نجدها ليست مجرد علامة هندسية، بل رمزًا للوجود ذاته، نقطة البداية، أو نقطة العودة إلى الذات بعد رحلة استكشاف للفضاء المحيط. كل خط مستقيم، أو منحنى، يبدو وكأنه يمثل دربًا للبحث عن الحقيقة، أو سؤالًا فلسفيًا حول طبيعة الوجود والكون.

بغض النظر عن الأسلوب الذي يتبعه أسادور في تقديم فنّه، فإن ما يميّز أعماله هو القدرة على تجسيد "البحث عن الذات" في سياق كوني يتجاوز الشخصي ليشمل الميتافيزيقي. يُجسِّد هذا الفنان في لوحاته التفاعل المعقد بين الإنسان والعالم المحيط به، متخطيًا في كثير من الأحيان الواقع المرئي ليتغلغل في فضاء الخيال والتأمل الفلسفي.

بينما تبرز في أعماله تباينات واضحة بين النقطة والخط، أو بين الشكل الهندسي الصارم والانحناءات الحرّة، تتكشف لنا الأبعاد النفسية والروحية التي تحكم هذا التفاعل. قد يجد المشاهد في لوحات أسادور نفسه في رحلة صوفية تبحث عن التوازن بين الفكر والمشاعر، والواقعية والتجريد. في أعماله، يتقاطع الفن مع الفلسفة، ليعيد تساؤلات الإنسان الأزلية حول المكان، الزمن، والوجود.

أحد أبرز السمات التي تميز أسلوب أسادور هو استخدام التجريد الهندسي كوسيلة للوصول إلى فهم أعمق للكون. فالتجريد في لوحاته لا ينحصر في إزالة التفاصيل الشكلية، بل يتجاوز ذلك ليكشف عن الأبعاد الخفية التي تربط بين الأشياء. يبدو وكأن كل خط وكل دائرة في لوحات أسادور تنتمي إلى لغة فنية متعالية، تترجم العلاقات الماورائية بين الإنسان وعناصر الطبيعة والكون.

النمط الهندسي الذي يعتمده الفنان لا يُعتبر مجرد أسلوب في الرسم، بل هو تصوّر فلسفي يجسد رؤية فكرية حول الوحدة والتعددية في الكون. يقدّم أسادور رؤية فنية يرى فيها أن كل شكل هندسي يحتوي على قوى دافعة تؤثر في الفضاء المحيط به، وأن هذه القوى تتداخل وتنسجم لتخلق تناغمًا بصريًا يجذب العين ويشركها في رحلة تأملية عميقة.

يمكن القول إن أعمال أسادور تمثل تجربة تأملية تنطوي على مسعى للكشف عن الغامض والمعقد في الروح البشرية. الفن بالنسبة له ليس مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل هو أداة للغفران الداخلي والمصالحة بين العقل والروح. من خلال الهندسة البصرية، يسعى أسادور إلى نقل المشاهد إلى حالة من السكون الداخلي، حيث يتجاوز التفكير العقلاني البسيط ليغمر في تأملات روحانية وميتافيزيقية.

إحدى ميزات أعماله هي القدرة على دعوة المشاهد للتفاعل مع اللوحة على مستوى أكثر عمقًا، بعيدًا عن الاستجابة السطحية للأشكال. لوحاته ليست مجرد مشاهد بصرية، بل هي دعوة للغوص في عالم داخلي يتم فيه استكشاف الأبعاد الفلسفية للوجود البشري. يمكن للمرء أن يرى في هذه اللوحات رسالة حول البحث المستمر عن المعنى، والتوق إلى فهم الحقيقة الكونية، بل والتصال مع الذات العليا.

أسادور هو فنان يتجاوز الحدود التقليدية للتعبير البصري، باحثًا عن لغة جديدة تسبر أغوار الروح البشرية، وتستكشف تفاعلاتها مع العالم الكوني. من خلال استخدامه الفريد للأشكال الهندسية، والأسلوب التجريدي المدروس، يخلق أسادور أعمالًا فنية تحمل في طياتها تعبيرًا عميقًا عن البحث الروحي والمعرفي. لوحاته ليست مجرد أعمال فنية لزخرفة الجدران، بل هي دعوة للتأمل، للبحث عن الحقيقة، وللاكتشاف المتجدد للذات.أعمال أسادور تستمر في تحفيز الفكر البصري والروحي، مما يجعله أحد أهم الفنانين المعاصرين الذين يعيدون تعريف الفن كوسيلة للغوص في أعماق الوجود والبحث عن الجمال الروحي.