الشاعر هنيبعل كرم للواء: "أظنّ أننا لم نصل إلى إنتاج حداثة شعريّة عالميّة لأننا لم ننتج بعد عقلًا حديثًا على كافّة الصّعد المعرفية والاجتماعية والسياسية..."
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
ومضة هي قصائده المتوالدة وجدانيًّا من روحية الشعر والجوهر الحياتي المرتبط به، فالاطياف اللغوية محسوسة بعمق معانيه، وما بين العناصر الثابتة والمتحركة تتجلى صوره الشعرية الفاعلة في خلق الأبعاد الموحية مع الحفاظ على نقاط ارتكاز شعرية متعددة. مع الشاعر "هنيبعل كرم" أجرينا هذا الحوار.
- ماذا تجمع في ديوان "أجمع في صدفة" ولمن تهديها؟
ديوان "أجمعُ في صدفة" هو مجموعة من القصائد القصيرة التي ترجمت إلى الألمانية (ترجمها الدكتوران سرجون كرم وسيباستيان هاينة - جامعة بون) في محاولة لتعريف القارئ الألماني على الشعراء اللبنانيين الشباب، وما يُكتب من شعر ربما غير معروف للقارئ اللبناني أيضًا، في إطار التجربة الشعرية الحديثة على الساحة اللبنانية، وفي ظلّ ما يعصف بالمنطقة من جنون. كان يشترط أن أقدّم أربعين قصيدة من الحجم القصير، فاخترت ما يُعبّر عنّي في تلك المرحلة، وجمعتُ في الصّدفة، كما أقول، "قليلا من الليل، بعض الأرجوان، لأطرّز شالكِ بوجهي..."
- القصيدة الومضة تميل إلى نوع جديد من الحداثة وهذا قد لا يطرب الشعراء، ما رأيك؟
للأسف نحن نفتّش، معظمنا، عمّا يُطرب. السّطحيّ والغنائيّ السّهل هو ما يستحوذ على انتباه القارئ أو حتّى مَن يهتمّون بالشّعر. القصيدة الومضة تحمل معاني مكثّفة، سريعة وعميقة، وقد تكون شاذّة عن قيود الموسيقى المألوفة. أنا أميل مثلا إلى الخاتمة المفاجئة التي تكسر الإيقاع العام للقصيدة، وهذا بحدّ ذاته نمط له دلالاته بعيدًا عن النمطيّة. الشعر حركة مجدّدة ومعبّرة عن التجديد، وإن كان هذا النوع من التعبير لم يجد الاهتمام الكافي بين جيل الشعراء والمثقفين، فلأنّنا نتحدّث عن جديد، والجديد عادة غير مرغوب فيه بين أوساط المحتكرين الذين يخافون أن تهتزّ إمبراطورياتهم المعرفيّة الوهميّة. الحداثة هي حركة الحياة نفسها، وأنا أظنّ أننا لم نصل إلى إنتاج حداثة شعريّة عالميّة لأننا لم ننتج بعد عقلًا حديثًا على كافّة الصّعد المعرفية والاجتماعية والسياسية... فكيف لنا أن نقبل الحداثة أو أن نحترمها طالما أن ما لدينا عقلٌ - أداة محكومة بأطر معرفية أو اجتماعية ودينية جاهزة؟!
- حركة شعرية تقوم بها ضمن الانطباعية المحاكية للحسّ الجمالي الساكن، هل تشكل قصيدة بحنكة كلمات تجمعها؟
أنا أؤمن، بعيدًا عن "أسنان النّقاد الحديدية"، وعن ميلنا دائمًا إلى إطلاق الأحكام غير العلمية، وإلى تشريح الشاعر أو الكاتب والفنان أو حتّى القارئ والمستمع أحيانًا، أؤمن بأن الشّعر يكون ناجحًا ليس بقدر ما يريد أن يقول فقط، بل بقدر ما يضيف من جديد إلى هذا العالم، وإلى النفاذ إلى روح وجوهر الإنسان فيه، أينما كان هذا الإنسان. وهنا سرّ العالمية. لذلك أعتبر أنّني أحاول المشاركة بضخّ الروح في هذا العالم. هذا يعني أنّ الحنكة والخبرة وحدهما لا تكفيان.
- هل من حركة شعرية في الشّمال لروّاد هذا النوع من الشّعر؟
لا بدّ أن يكون. في الحقيقة، يعاني الشّمال، كما كثير من المناطق، من أزمة "مركزيّة" الثقافة في بيروت. هناك الحركة الشعرية والأدبية بشكل عام ناشطة بشكل واضح، إضافة إلى دور الإعلام في تسليط الضوء أو حجبه عن شعراء أو فنانين مبدعين قد لا تعطى لهم فرصة للبروز والإفصاح عمّا لديهم.
- أين قصيدة هنيبعل من التراث الشرقي عامّة ومن تراث الشّمال خاصّة؟
أحترم التراث الأدبيّ العربي، والشّمالي، بشكل عام، لكنّ ما يربطني به اليوم في قصائدي هو قواعد اللغة. كتبت مجموعة من القصائد الكلاسيكية لأقول إنني لست عاجزًا عن كتابة قصيدة كلاسيكية، لكنّني لا أرى نفسي فيها. أراها منبريّة وغنائية لمن يفتّش في القصيدة عمّا كُتب لا ليُغنّى، وعمّا لم يُكتب...
- من هو هنيبعل كرم وماذا يقول لمتذوّقي قصائده؟
هنيبعل كرم هو ذات صغيرة تحاول أن تترك بصمات إيجابيّة في هذا الوجود. كتاباتي تؤرّخ لمحطّات سفري المتنوّعة. إنّها حجارة في بنيان يستقيم شيئًا فشيئًا، لبناتٌ لكلّ منها ميزة وخبرة مختلفة، أرجو أن يلاقي مَن يقرأ قصيدتي في سيرورتها شيئًا من نفسه فيها.
- لماذا هذا الأسلوب الإيجازي في قصائدك؟
ربّما لأنني بطبعي كذلك، أميل إلى الصّمت الإيجابي، وحسن الإصغاء. وربّما لأن الأهمّ تصعب كتابته. وقد يكون إشارة إلى الملل من الطّرب والتّفنن في صناعة الأراجيز الفارغة من المعنى. أوجزُ لأنّ الدّفق الشعري يشبه الومضة، متى شرحناه واستفضنا في توزيعه على حروف كثيرة يبهت. إنّه صفعةٌ لطيفة تهزّنا وسط زحام الحياة السّريعة.
- كلمة أخيرة؟
في ظلّ ما نشهده من فوضى عارمة على المستوى الأدبي والفكري والسياسي...، تبقى الكلمة حريّة ومسؤولية، إنّها حريّة مسؤولة تبني على ضفاف الروح رؤية للحياة وفهمًا جديدًا للكون. على عاتق الشعراء والأدباء والمفكرين والفنّانين والعلماء... تقع مسؤوليّة العبور إلى الحياة الجديدة، وإلى المشاركة في حركة الإنتاج الإنساني المعاصر، وإضافة شيء جديد إليه. جزيل الشكر لكم ولصحيفتكم الموقّرة.
تم نشره عام 2016في جريدة اللواء لبنان
من خلال تحليلي لهذه المقابلة، يبدو أن الشاعر هنيبعل كرم يحمل رؤية فكرية عميقة ومتجددة تجاه الشعر والحداثة، وهو لا يكتفي بالتعبير عن ذاته فقط، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم مقترحات لتطوير الحالة الشعرية في المنطقة العربية، خصوصًا في لبنان. هو ناقد ذكي لما يحدث في الساحة الأدبية والثقافية، ويدعو إلى الخروج من إطار التقليد ومحاكاة ما هو مألوف، وهو ما يتجلى في دفاعه عن "القصيدة الومضة" كنوع شعري حديث يتطلب جرأة في التعامل مع المعاني المكثفة والرمزية.
هناك إشارات قوية في حديثه إلى أن الشعر ليس مجرد وسيلة تعبير عن مشاعر أو أفكار فنية، بل هو أيضًا وسيلة للإضافة والتغيير في العالم، كأنما يريد أن يترك أثرًا يساهم في إعادة تعريف الشعر ويجعل له مكانًا في الزمن الحديث. كما أنه يتحدث عن المعركة الداخلية بين التقليدية والحداثة، مشيرًا إلى أن الجيل القديم لا يتقبل التغيير بسهولة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأساليب الشعرية غير التقليدية.
أما في ما يخص تأثير الشعر على المتلقي، فإن هنيبعل كرم لا يتوقع من الشعر أن يكون مجرد أداة للمتعة أو الطرب، بل هو أداة لتوجيه الفكر وحركة الشعور داخل الإنسان. إنه يبحث عن القصيدة التي تحدث تأثيرًا عميقًا في وجدان القارئ، وتجعله يواجه نفسه من زاوية جديدة.
في بعض الأحيان، يظهر هنيبعل كرم نوعًا من النقد الذاتي العميق عندما يتحدث عن نفسه كشاعر، فهو يقر بوجود حدود، لكنه في الوقت ذاته يسعى دومًا لتجاوزها. ربما يكون ذلك انعكاسًا لأسلوبه الشعري الذي يتسم بالومضات الوجدانية والرمزية، مما يتيح للقارئ أن يتفاعل مع النص بشكل شخصي وذاتي.من جانب آخر، في حديثه عن التراث، يظهر هنيبعل كرم احترامًا لأسس اللغة والتراث الأدبي العربي، لكنه يتجاوز التقليدية ليتوجه نحو شعر أكثر حداثة، وهو ما يعكس نزوعًا قويًا نحو التغيير والتجديد في الفكر والشعر على حد سواء.
ختامًا، الحوار يُظهر شاعرًا ليس فقط مهتمًا بالشعر كفن، بل كشكل من أشكال الوعي الاجتماعي والسياسي، ويدعونا للتفكير في مدى استعدادنا للقبول بالجديد في حياتنا الأدبية والفكرية.