استمر في الاستمرار، فهذه هي روح الوجود

فيلم Keep on Keepin' On للمخرج "آلان هيكز"

ضحى عبد الرؤوف المل

التحديات جزء من الحياة، فالتفكير بإيجابية فيها يمنح الإنسان فكرًا مستنيرًا، إذ تتضح أهدافه وتتناغم أحاسيسه مع محيطه دون إحباطات تؤثر على استمرارية تحقيق أهدافه. فالماضي استمرار للحاضر، وبتتابع عبر أجيال تنمو مع أهداف الجيل الماضي، وتتسلق جبالها بعنفوان رجالات هم مدرسة لكل من يتفكر في حياتهم. فهل يسلط المخرج "آلان هيكز" الضوء على حياة موسيقي بفيلم وثائقي انسيابي في مشاهده الحوارية، إن من حيث الصورة أو الموسيقى أو باسترجاع ذاكرة الزمن من أفواه الأحبة، وأرشيف لم يُغلقه، بل تركه مفتوحًا منذ البداية مع شاب يتعلم العزف بروحانية رجل يناضل من أجل الحياة؟ فما الذي يتمتع به هذا الفيلم ليجعله فيلمًا وثائقيًا محبوكًا بحدث جاذب؟

"كلارك تيري" وإنجازات فنية في حياة لم يستسلم فيها، بل ناضل حتى الرمق الأخير، وهو يصارع المرض، يزرع المعلومة المعرفية في ذهن شاب أعمى ليكون امتدادًا للإنسان عبر طلاب دراسة هو القدوة والمثل الأعلى لهم: "هذا الرجل علّم آلاف الطلاب الذين علّموا آلاف الطلاب الذين سيعلّمون آلاف الطلاب" في جملة ثلاثية انتقل بها المخرج، كما انتقل بالمشاهد مع الصور التلقائية التي خرجت بعفويتها من أرشيف خاص. فهو لم يعتمد على النسخ، أو بالأحرى على استنساخ تيري كلارك آخر، بل ترك للإبداع وجوده في الحياة، ليكون بمثابة التطور الإنساني ببلاغته البشرية، وإن عبّر إلى جاز أتقن النفخ فيه، وكان الإيقاع هو روح خاصة في آلة ليست إلا من مكونات مدروسة، لكن صوتها من نفس الإنسان، فهو المعجزة.

أن تصنع اللحن بشكل حسي لتلتقطه الحواس بمهارة وتترجمه الأصابع أو عبر التنفس أو النفخ بتطابق وتناغم وحسية، هي معجزة بحد ذاتها. فالمثل الأعلى لا يمكن له البقاء كمثل أعلى مستمر عبر الأزمنة ما لم يترك أثرًا ينمو ويتطور تلقائيًا بموضوعية الهدف وذاتية القدرات التي تحتاج إلى مثابرة وتصميم للاستمرار، عبر قناعة تحقيق الهدف، أو بالأحرى "يجب أن أكتشف كيف أكون أنا". اكتشاف الذات وتطوير قدراتها يمنح الفرد قدرة على رسم خارطة حياته بانتقاد ذاتي أولًا، ومن ثم الاستماع لانتقاد الآخرين. هذا ما واظب عليه عازف البيانو المرافق لكلارك تيري في الفيلم الوثائقي، الذي يجبرك على متابعته حتى النهاية. فهل عزف المخرج على أدواته لاستخراج روحية الشخصية بجمالية وثائقية؟

شتات نفسي ونغمات تخرج عشوائيًا في لحظات يتنفس فيها الإنسان تأملاته الزمنية، وهذا ما فعله العجوز مع الشاب الأعمى، منحه نغمة الزمن لتكون معزوفة يشارك بها في مسابقة عزف على البيانو، لندرك قيمة العطاء ونحن على فراش المرض أو الموت. فالفيلم اعتمد على العجوز المريض والشاب الأعمى، وما بينهما من أجيال للحفاظ على تجدّد الدم في البشرية، مع مشاهد الوفاء والحب والتعاطي مع المرضى بالحسنى والمحبة. فالتصوير توافق مع النغمات، إن الحركية عبر الصورة أو الحركية عبر الضوء والعتمة، وحتى في حصر البؤرة الضوئية أو العدسة على الموضوع دون خلفيات، لأن الفيلم الوثائقي يطرح موضوعاته دون بناء مشاهد متسعة، إنما التركيز على الصورة البصرية المتوافقة مع الراوي ضمن خلق موسيقي جديد مبدع وهو أعمى. فهل امتلك المؤلف قدرات روائية في فيلم وثائقي؟

تكتيكات آلة الجاز ومرونة آلة البيانو، واختلافات في النغمات كاختلاف الأجيال بين عجوز وشاب، وترابط مذهل في النص ذي الأبعاد الفكرية التي تؤدي إلى فرح هو جزء من حياة لا استسلام فيها، بل تخيلات في واقع نلامس فيه وجودنا ووجود الأحبة من حولنا، المساعد في بث الشجاعة والتصميم لإيصال ما بداخل النفس إلى عمق الآخرين. فهل ندرك قيمة ذلك في الفن؟

جاستن كوفلن، وكلارك تيري، والإيمان بالشفاء والنجاح، والعبور نحو مرافئ الحياة بفرح وغبطة، ومنح الآخرين لحظات الجمال حتى آخر قطرة في أعمارهم: "أوقف كل شيء وابدأ بكل شيء في نفس الوقت". فمصداقية الحوارات مؤثرة في الإقناع، من حيث العلاقة القوية والمتينة التي تربط عازف الجاز "كلارك تيري" بعازف البيانو الناشئ جاستن كوفلن، والذي تخطى مرحلة الهواة في العزف، ودخل مرحلة العزف بمهارة، وذلك بفضل توجيهات عازف الجاز له، وهو بمثابة ابنه الفكري الذي وُلِد من النغمة. لأن الشيخوخة والمرض تركا عازف الجاز بحالة يُرثى لها، إلا أنه يتعاطى مع الوجود بحكمة عازف أتقن استخراج النغمة، لأنه يريد مساعدة كل الناس الذين أحبهم. فالإحساس بالروح هو الاستمرار لأي موسيقى نسمعها، والإحساس بالروح هو نعمة الوجود لمن نحبهم ونشعر أنهم دائمًا معنا. حبكة وثائقية نجحت في معالجة رؤاها، واستخراج كُنه الزمن بترابط الإبداع بين ماضٍ وحاضر وحياة رجل عظيم حتى وهو على فراش البداية...

في رؤية أخرى بعد حضوره مرة أخرى

تم نشره عام 2016 في جريدة المدى

"Keep on Keepin' حين تصير الموسيقى امتدادًا للروح

ضحى عبد الرؤوف المل

في عالم يعجّ بالتحديات، يبرز الفيلم الوثائقي Keep on Keepin’ On للمخرج "آلان هيكز" كتحفة إنسانية فنية، تسلط الضوء على العلاقة العميقة بين موسيقيَيْن من جيلين مختلفين، متحدّين المرض، والظروف، بل وحتى العمى، عبر الإيمان والموسيقى.

هذا الفيلم لا يقدّم سردًا نمطيًا لحياة "كلارك تيري"، أسطورة الجاز، بل يغوص في أرشيفه الحي، من خلال حوارات نابضة، وصور عفوية، ومشاهد وثائقية تجسّد قوة الإرادة والروح. فالماضي هنا ليس مجرد حكاية، بل امتداد حيّ للحاضر، وتواصل بين أجيال تشارك الهدف نفسه، وإن اختلفت أدواتها وظروفها.

كلارك تيري" في صراعه مع المرض، لم يتوقف عن العطاء، بل استمر كأبٍ فكري، يزرع المعرفة الموسيقية في عقل شاب أعمى – "جاستن كوفلن" – ليمتد أثره عبر أجيال من المتعلمين. "هذا الرجل علّم آلاف الطلاب، الذين علّموا آلاف الطلاب، الذين سيعلّمون آلاف الطلاب" – جملة ثلاثية كثيفة تختصر فلسفة الفيلم، وتُبرز كيف تتحوّل الخبرة إلى إرث، لا بالاستنساخ، بل بالإبداع الذي ينمو ويتجدّد.

الفيلم لا يعتمد على الدراما المصطنعة، بل ينحت مشاهده بلحظات صادقة، تسكنها نغمة، أو صورة، أو همسة من الزمن. الكاميرا تقترب من ملامح العجوز، ومن أنامل الشاب، وتُمسك بالضوء والعتمة كما تمسك النغمة بالحسّ، ليكون الإيقاع هنا ليس مجرد صوت، بل تجسيدًا للروح البشرية.

ما يجعل الفيلم فريدًا هو هذه العلاقة الروحية العميقة بين المعلّم وتلميذه، بين الحياة والموسيقى، بين الجاز والبيانو. فأن تصنع لحنًا يُحَسّ، وتترجمه الأنامل والنَفَس بتناغم داخلي، هو بحد ذاته معجزة، لا تحدث إلا حين يكون الفن نابعًا من الذات.

"جاستن كوفلن"، الشاب الذي تخطّى العمى، وتجاوز مرحلة الهواية إلى الاحتراف، لم يكن ليفعل ذلك دون دفء "تيري"، الذي لم يعلّمه العزف فقط، بل منحه رؤية داخلية، وقدرة على اكتشاف الذات: "يجب أن أكتشف كيف أكون أنا". هذا الاكتشاف لم يكن مجرد تقنية موسيقية، بل رحلة فكرية وجمالية، تبدأ بالانتباه إلى الصوت الداخلي، وتستمر بالاستماع إلى نقد الذات والآخر.

الفيلم لا يخلو من لحظات التأمل والوجدان. لحظات يخرج فيها اللحن عشوائيًا، كشتات نفسيّ يعبّر عن الحياة. وفي لحظة حاسمة، يمنح العجوز المريض نغمةً للشاب الأعمى، فيدخل بها مسابقة عزف. هنا، يتجلّى العطاء في أرقى صوره، حتى في لحظة الرحيل.

تقنيًا، يتعامل الفيلم مع الضوء والعدسة ببراعة، دون مبالغة في التوسيع أو الاستعراض. الكادرات مركّزة، موسيقية هي الأخرى، ترصد الشخصيات بخصوصية شديدة، وكأن العدسة تتحسس الروح قبل الجسد.

الفيلم ينجح في دمج تكتيك آلة الجاز بمرونة البيانو، ويُبرز عبر اختلاف الأجيال اختلاف النغمات، لكنه يُؤكّد في الوقت نفسه على وحدة الهدف والوجدان. هذه الحكاية الإنسانية، التي تدور بين شيخوخة متعبة وشباب طامح، لا تطرح فقط دراما موسيقية، بل فلسفة في الحياة: لا استسلام، بل فرح، تخيّل، واستمرار.

"أوقف كل شيء وابدأ بكل شيء في نفس الوقت" – جملة تختصر روح الفيلم. فحتى في لحظات المرض والشيخوخة، يمكن للفن أن يكون عزاءً وولادة جديدة. كلارك تيري، وهو على فراش المرض، لم ينسَ أن يمنح الحياة لمن أحبهم، بصوت نغمة، أو لمسة عزف، أو بسمة حكمة.

Keep on Keepin’ On ليس مجرد فيلم وثائقي، بل وثيقة حبّ بين الفن والإنسان، بين المعلم والتلميذ، بين الجسد الذي يفنى، والروح التي تظل تعزف.

ضحى عبدالرؤوف المل