التقاليد والحضارة يمكنها أن تتناغم
فيلم "الرجل التايشي" (Man of Taichi) للمخرج كيانو ريفز
ضحى عبدالرؤوف المل
تتحكم القوة العقلية في الأحاسيس المرتبطة بانفعالات الإنسان التي تتهذب من خلال التأمل، وما تبثه لحظات الإدراك من يقين بقوة الإنسان المختزنة في باطنه، حيث القدرة على اكتشاف الظل الوهمي المرافق للحياة. والتايشي هو إرث قتالي يهدف إلى الدفاع عن النفس لا القتل المرتبط بالقوى الشريرة في الكون، فالاستجابة الجسدية للروح هي حصر قدرة الاسترخاء "بالتأمل أثناء الحركة"، وللحفاظ على هذا الإرث لا بد من التقييد بأنظمة المعبد الذي يحاول الحفاظ عليه معلم تايغر. "لأن ثقافة هذا القتال هي حضارة بكاملها وتقاليدها تحتاج إلى تناغم متكامل مع القوانين التي تفرضها هذه الثقافة التي تحتاج إلى قوة القلب والروح معًا، وهذا ما يعالجه الفيلم "الرجل التايشي"، الذي يخرج حاملًا أهدافه متجهًا نحو معبده الداخلي الحقيقي الذي لا بد وأن يتطهر من الأفكار المؤثرة على الإنسان، فالطموحات البشرية تسلب من الإنسان نفسه قدرته على مواصلة الحياة بسلام.
تصوير يهدف إلى إظهار التراث الصيني، خاصة المعبد التايشي، وهذا الإرث الصيني الذي يستمد وجوده من الأهداف الحقيقية للإنسان المحافظ على حكمة الحياة وجوهرها. فالعدسة التصويرية في الفيلم قادت البصر نحو البؤر الجمالية في الأحياء والشوارع، وما يحيط بالمعبد مع الحفاظ على جمالية القتال وتناغمه مع الجسد. إذ تلاعب المخرج "كيانو ريفز" بالأحجام المشهدية وسرعتها وتوازنها مع الموسيقى التأملية والقتالية في آن، وبازدواجية موضوعية هي جزء من حاسة السمع المرتبطة مع البصر، ليجذب المشاهد نحو الموضوع أو الفكرة بحد ذاتها، وهي الحفاظ على تراث التايشي القتالي الذي يعتمد على فكرة الخير لا التسبب بالموت، لأنه للدفاع عن النفس والقضاء على قوى الشر، وذلك بتقوية الداخل في مواجهة الخارج.
لا يمكن للإنسان الذي يحمل جينة الخير إلا أن يكون صاحب هدف في الحياة التي تضعه أمام الأقدار، وإن شاء الانقلاب على نفسه فلا بد من عودة، خصوصًا أن للتايشي روحانية تصوف تحمل في طياتها تجديد الطاقة الإنسانية الداخلية، وهذا ما يهدف الفيلم إلى إظهاره عبر الدراما والحكمة المثيرة للذهن المرتبطة بنوعية الموسيقى التي أتقن تأليفها شان كيونغ وينغ (Chan Kwong Wing)، التي استطاعت الاعتماد على الحسي والحركي لهذه اللعبة الإيقاعية القريبة من العزف الهادئ على القصب أو الضرب على الوتد، وبدقة متناهية شديدة التركيز من حيث قوة الملاحظة والتأمل الداخلي المنساب مع قوة الضربة أو تفاعلها. فهل ممارسة التايشي ثقافة تراثية حضارية هي لتقديس قوة الإنسان والحفاظ عليها؟ فيلم من بطولة أيكو أويس، كيانو ريفز، كارين موك، وبتمثيل درامي لم يخل من إبداع في إعطاء التعابير المشحونة نبض النفس المحملة بالخير أو الشر، مما زاد من العوامل المؤثرة التي منحت المشهد انفعالاته، وبحيوية جاذبة بصريًا، لأن مصداقية التقمص شديدة البساطة ومنسابة مع الشخصية والتعاطف معها من حيث الهدف القتالي الذي يبرره القدر في نهاية المشهد، مما ترك نوعًا من الأسطورة القائمة على سيرة المعبد ونشأته والحفاظ عليه من مقاتلي التايشي تباعًا لما يحمله من نواة الخير والسلام.
تم نشره عام 2016 في جريدة المدى
برؤية أخرى
التايشي: بين الفلسفة القتالية وتجديد الروح الإنسانية
منذ العصور القديمة، لطالما كانت الفنون القتالية جزءًا لا يتجزأ من تاريخ وثقافة العديد من الأمم. لكن "التايشي"، الذي يبرز في الثقافة الصينية، يحمل في طياته أكثر من مجرد تقنيات دفاعية أو قتالية؛ فهو فلسفة حياتية، طريق نحو التوازن الداخلي، وسعي دائم نحو تجديد الروح. في فيلم "الرجل التايشي" (Man of Tai Chi)، الذي أخرجه وأدى دور البطولة فيه كيانو ريفز، يتم تصوير هذه الفلسفة القتالية بشكل فني وجميل، حيث يُرصد صراع الإنسان مع نفسه ومع قدراته الداخلية، سعيًا نحو الهدوء الداخلي مع مواجهة القوى الخارجية. التحول من القتال إلى التأمل هي كيف ينسجم التايشي مع روح الإنسان؟
لطالما كانت الفنون القتالية جزءًا من الحياة اليومية في الثقافات الشرقية، ولكن ما يميز "التايشي" هو توجهه الفلسفي العميق، الذي لا يقتصر على الهجوم والدفاع فقط، بل يمتد ليشمل مسارًا نحو السلام الداخلي والتوازن الروحي. على عكس العديد من أساليب القتال التي تركز على القوة البدنية والضراوة، يشمل التايشي مفهوم "التأمل أثناء الحركة"، حيث يمارس الشخص تمارين قتالية تبدو هادئة وبطيئة، لكنها في الحقيقة تهدف إلى تنمية الوعي التام بالجسد والعقل.
في الفيلم، يتم تصوير هذه المفاهيم الفلسفية بشكل جلي. يتتبع "الرجل التايشي" قصة شاب يدعى "هان"، يلتحق بتدريب في معبد تايشي ليصبح خبيرًا في هذا الفن القتالي التقليدي. ولكن سرعان ما يواجه هذا الشاب صراعًا داخليًا بين القيم التي نشأ عليها ورغباته في استخدام مهاراته لأغراض أخرى. مع تقدم الأحداث، تصبح العزلة الداخلية لهذا الشخص أكثر وضوحًا، وتزداد تحدياته بين الرغبة في الحفاظ على السلام والانتقام من الأعداء. فهل الظلال الوهمية هي مفهوم قوى الخير والشر في التايشي؟
لا يقتصر الفيلم على كونه مجرد تمثيل لقصة صراع داخلي، بل هو أيضًا دراسة فلسفية عن الخير والشر. هنا، يُجسد التايشي ليس فقط كطريقة للقتال، بل كأداة للقضاء على قوى الشر الداخلية والخارجية. يوضح الفيلم أن صراع الإنسان مع نفسه هو في النهاية الصراع الأكبر. يظهر ذلك في تحول شخصية "هان"، الذي يصبح أكثر إدراكًا للطبيعة المعقدة للصراع بين الأضداد في حياته.
تتداخل فلسفة التايشي مع مفهوم "الظل الوهمي"، الذي يظهر في أوقات الإدراك الذاتي المتأخر، حيث يبدأ البطل في التعرف على حقيقة قدراته وقيوده. من خلال التأمل والتفكير العميق، يستطيع اكتشاف أن القوة لا تكمن في تدمير الأعداء، بل في التحكم الكامل في النفس. ما يقدمه الفيلم في هذا السياق هو دعوة لتقدير قوة العقل والروح على الجسد، مما يرفع من قيمة التأمل كأداة لإعادة التوازن والتجديد الذاتي.
بعيدًا عن الحبكة الدرامية المفعمة بالصراعات النفسية، كان للفيلم جانبًا فنيًا بالغ الأهمية. يكمن هذا الجانب في تصوير مشاهد القتال، التي تم تنسيقها بدقة عالية من قبل المخرج كيانو ريفز. كل حركة في الفيلم كانت تتناغم مع الموسيقى التي أُعدت خصيصًا لهذا العمل الفني، ليخلق تأثيرًا بصريًا وسمعيًا يجذب المشاهد نحو جوهر الفلسفة القتالية. تميزت مشاهد القتال بالحركات البطيئة، التي تجسد التأمل والتوازن الداخلي، ما يجعلها أكثر من مجرد مشاهد حركة، بل هي دروس في فلسفة الحياة.
من خلال لعبه على العناصر البصرية، يُظهر ريفز كيف أن الحركة يمكن أن تكون مليئة بالمعنى والتأمل. استخدامه للكاميرا لتسليط الضوء على التفاصيل الدقيقة والتعبيرات الجسدية يعزز من هذا الفهم العميق للحركة. كما أن تنوع المشاهد بين القتال في معبد التايشي والشوارع العصرية ساعد في تقديم الصراع بين العالمين، العتيق والحديث، الذي يعيشه "هان". فهل الفن القتالي والتجديد الروحي يجعلنا نتساءل هل يمكن للتايشي أن يكون ملاذًا من الضغوط الحديثة؟
في عالمنا المعاصر، الذي يعج بالضغوط النفسية والجسدية، يقدم التايشي بديلاً متوازنًا يتيح للإنسان أن يحقق الهدوء الداخلي من خلال الانسجام بين الجسم والعقل. لا يتطلب التايشي القوة الجسدية الفائقة بقدر ما يتطلب التناغم مع الذات، الأمر الذي يتناسب مع متطلبات الحياة الحديثة التي تفرض على الأفراد مواجهة ضغوط العمل والعلاقات.
أظهرت العديد من الدراسات أن ممارسة التايشي تساعد في تقليل مستويات التوتر والقلق، كما أنها تحسن من القدرة على التركيز. هذا التوجه قد يبدو غريبًا بالنسبة للبعض، لكن من خلال الفيلم، نجد أن التايشي ليس فقط أداة قتالية، بل هو أسلوب حياة، يوفر للشخص التوازن العقلي والجسدي في زمن يفتقر فيه الكثيرون إلى هذا التوازن.
في النهاية، يُعد فيلم "الرجل التايشي" أكثر من مجرد فيلم عن الفنون القتالية. هو دعوة للتأمل، تأمل في كيفية مواجهة قوى الشر الداخلية والخارجية، وتأمل في كيفية السعي نحو النقاء الداخلي والتوازن الروحي. إنه أيضًا تذكير بأن الفنون القتالية لا تقتصر على العنف، بل يمكن أن تكون وسيلة لإعادة اكتشاف الذات، والتخلص من الظلال الوهمية التي تؤثر على حياتنا.
ما يقدمه كيانو ريفز في هذا الفيلم هو دعوة للتفكير العميق حول القوة الحقيقية، التي تكمن في السلام الداخلي، وفي الاستعداد لمواجهة الحياة بكل صراعاتها وتحدياتها. إن التايشي، كما يُعرض في هذا الفيلم، هو أكثر من مجرد رياضة قتالية؛ إنه فلسفة حياة يجب أن نتبناها ونعيشها.
تم نشره في جريدة المدى عام 2016