وازن الأرواح أندريه موروا
ضحى عبدالرؤوف المل
وضوح رؤية في سرد تعبيري يربط الوصف مع فنون التصوير المرئي من خلال لغة قوية ترجمها عبدالحليم محمد، وكتبها الروائي الفرنسي أندريه موروا متنقلا من السرد التصويري إلى السرد التشكيلي، وهو في حركة روائية تشبه حركة القلم الراقص على المفردات الغنية التي انطلقت من فكرة " البحث عن الروح في صورة مادية " وارتبطت مع النفس الإنسانية، ليتلقاها القارئ مع حركة روائية بطيئة، ذات أنفاس قصيرة لم ينس فيها موروا تعصبه للنزعة الفرنسية، بل يشدد عليها في أكثر من مرة فيقول:" حقا إن الفرنسي وحده هو الذي يمكنه أن يكتشف" كما لم يكتف بالاكتشاف بل تنقل إلى الحواس" إنك تتذوق الأفكار يا صديقي بأسلوب فرنسي حاد." وكأن ما نقرؤه قوة حيوية للغة منطوقة نسمعها، وألوان نراها تضج بالحيوية من" خضرة العشب، إلى زرقة ثوب تخطر فيه مرصعة، إلى حمرة ثياب ثلاثة أشخاص في دور النقاهة يخطون أولى الخطوات "
جمع موروا بين الرمزية والطبيعية دامجا أدب الخيال مع علوم الحياة، ليقدم لنا تجربة علمية يستكشف من خلالها أسرار الروح التي لم يتم اكتشاف ماهيتها، ويجعل من النفس مستقرا لفكرة الارتباط المادي نافياً العلمانية مقتربا من اللاوعي في معطيات مباشرة لمسها في" انقسام الشخصية عند المجانين" ليلعب جيمس دور الطبيب الأكثر اهتماما لأمر الروح، معترفا بالدور الإلهي في نشأة الإنسان" وإذا شئت فإن هذا العالم لا يخلو من ظل عناية إلهية" مستعملاً العقل في التحليل والتفكير والاستنتاج، تاركاً للقارئ الذكي استنتاج التجربة وملاحظاته التساؤلية التي تعصف بالذهن، فنترك القراءة أحيانا، ونتأمل الصور الذهنية التي تتكون في جمالية أسلوبية استطاعت منحنا مسرحا رحبا لرؤية المشاهد إيحائيا، بلغة سينمائية تصويرية بارعة معتمدا تقديم شواهد للابتعاد عن الشك " إن المشاهدات لا تبرهن أبداً على أن الحياة العقلية أو العاطفية تتضمنها الحياة المادية، بل بالعكس إنها تبرهن على أن الحياة الخلقية أو العاطفية تضيف إلى الحياة المادية عالما مجهولا بأكمله".
أدب روائي إبداعي قوي الملاحظة، شديد الحبكة، تركنا بين المحسوس واللا محسوس، لتجربة رغم قوة مشاهد الموت واستخراج الروح والتقاطها، حولني أيديولوجيا إلى اختبار أفكاره معه "هو أنني لم ألاحظ للآن أية علامة محسوسة تدل على خلود الروح بعد الموت، ولكن من التهور أن يؤكد الإنسان أن الروح تنتهي بانتهاء الجسم". فهو هنا لم يؤكد ولم ينفِ، كأنه يربطها بالعقل الجوهري والمادي للمنطق المبني على التفكر والاختبار.
لا تشعر بالضجر، وأنت تقرأ" وازن الأرواح" لأن التأملات العقلية لتجاربه تعيدنا إلى نقطة الصفر، فنحاول البحث في تجارب الدكتور جيمس" منذ خمسة وثلاثين عاما كان جسمك الحالي وروحك الموجودة مصورتين في الخلية التي نشأت منها"
تكنيك روائي في اكتمال الفكرة، ونضجها تدريجيا تاركا اللاوعي متجها نحو المعرفة، متلاعبا بأسلوب خاص، يهيئ فيه القارئ للدخول معه إلى مرحلة أخرى متوجها به نحو المعرفة "عاودني الهدوء وشعرت باتجاه قوي نحو المعرفة" ومتوجها به نحو القلب الأشد عاطفة ومحبة وتوافقا بل وأكثر" فالقلب يحيا أكثر من المخ" هذه النتيجة هي مقدمة لندخل معه إلى العاطفة والأحاسيس الإنسانية والمشاعر التي تولدها الروح، فتتنافر الأرواح أو تنسجم تبعاً لهذا" إن خلايا الجسم بالنسبة للموت كسكان مدينة حلت بها مجاعة، فالأضعف يفارق الحياة قبل الأقوى"
أسلوب إيحائي في تشابيه واستعارات، ووصف كل هذا ليلغي الحدود بين المادة والروح من خلال رؤية هاملت وكلامه عن فن التمثيل، فهل الرواية هي انفعال مفتعل كممثل" يمكث هادئاً مع ما به من عاطفة جياشة" أم أن الروائي يبعث الأحاسيس كما" أنها تبعث الشعور الذي كثيرا ما ينعته ذوات الجنون الحقيقي" فمسرحية هاملت الهزلية التي تؤديها أديث، مأساويتها تنسجم وشخصية أديث" الواقع أنني لم أر في حياتي مسرحاً تتجلى فيه الناحية الإنسانية، وينسجم مع الطبيعة البشرية أكثر من هذا المسرح" أليست المسارح هي نقل الواقع الحياتي ضمن مشاهد حيوية نتفاعل معها بعاطفة ذات تأثر وتأثير؟.
مزيج من فنون أدبية ، واستعارات بلاغية، وتجارب إنسانية تشبه فقاقيع الصابون في الانتفاخ والتلاشي، تشبه الكرات الزجاجية التي احتفظ فيها بأرواح الأخوين، وهو هنا ابتعد عن اللغة العلمية التي يتبعها عادة صاحب التجربة العلمية، كي لا يفقد شحنات التفكير المنطقي الروائي، أو نشعر بجفاف الفكرة لنبصر حقيقة الأنفس لكل شخصية أراد دراستها بعد تحويلها إلى رقم رفضه بواقعية في بداية الرواية واصفا الموظفين في الفندق" لا يميزون المسافر برقم حجرته، وإنما المسافر بالنسبة إليهم إنسان له شخصيته، وله مميزاته ، فكيف بعد كل هذا تصبح الروح رقما على كرة زجاجية؟
يبدو أن موروا أراد السخرية من علم لا أدب فيه، وأدب لا علم فيه، لنكتشف ملامح روائي سكب من ذاته في رواية ملامحها موضوعية، وصورها الذهنية التي اعتمدها تحتوي على المعاني الكاملة للحياة" شعرت بأن الوحدة ، وإن كانت لمدة قصيرة، بين الفينة والفينة ضرورية للصحة، فإنها تصبح إذا - طالت مدتها- ثقيلة على النفس لا يطاق احتمالها" وبهذا علينا نحن أن نستنتج ما يعاني منه، واستطاع دمجه في حقائق علمية أرادها موضوعية عقلانية رافضا أي نزعة لا تحترم الإنسان، وحقوقه بعد الموت بل تحقيق رغباته خوفا من الصدامات الاجتماعية، كالأبحاث التي لم يعلن جيمس عنها للعلماء بل تركها سرا بينه وبين صديقه المتكلم أنا، ليكتفي الآخر بالاحتفاظ بالكرة الزجاجية بعد أن وضعها" في مهد صغير تغطيه ستارة زرقاء، وتحيط به شبكة من الأسلاك الحديدية، وهو موضوع على يمين مكتبي"
أما العقدة الروائية فهي استثنائية تتضمن نتائج مذهلة لمزج أرواح متنافرة، وأرواح متناغمة، وكأنه يستنتج أحاسيسنا ومزجها مع العنصر المادي لرواية لم تستقر على نتيجة واحدة إيجابية، بل نتائج سلبية وإيجابية أصابت جيمس بالفتنة، وتركته يقرر الموت مع زوجته، ليحيا التناغم الروحي معها في زجاجة، وهو يشك إن كان أرواحهما ستتناغم أو لا بعد رؤية أرواح وضعها في الكرة " فكاد تطفئ إحداهما الأخرى، ومع ذلك فإن جذوة أمله لم تخب، ذلك أنه بدون شك فكر في أن الإخفاق أتى من أن الكائنين اللذين قرب بينهما لم يخلقا ليمتزجا.
رواية رغم خيالها الأدبي والبحث العلمي عن ماهية الروح ما هي إلا بحث عاطفي روحي للتوافق والانسجام بين الأرواح المحبة والمتنافرة، وقد قام موروا بمحو الغوامض الناتجة عن هذا باستبدال المادة الجسدية بمادة زجاجية سمحت لنا رؤية الانسجام الروحي وجماله الخلاق" وفي ثنايا هذا التألق يتحرك تياران أشد إضاءة وأكثر لمعانا، ويتحرك بتحركهما مجموعة من النجوم الماسية المتوهجة؟
محاكاة بسيطة اعتمد فيها موروا لغة السرد الوصفي مع رمزية طبيعية لحقائق أبحاث ذات صلة روائية منحتنا خلاصة حديث نبوي" الأرواح جنود مجندة فما تعارف ائتلف، وما تنافر منها اختلف". في شرح متين قدمه المترجم الدكتور عبدالحليم محمود في بداية الرواية.
Doha El Mol