ما وراء الصورة الرومانسية الغارقة في الحركة الإيقاعية
ضحى عبدالرؤوف المل
يتجاوز الفنان الفوتوغرافي "أليساندرو بوتشينلي" (Alessandro Puccinelli) حدود المخيلة بحس تصويري يتسم برؤى فلسفية مجردة من الحقائق الواقعية التي يلتقطها، مبتعدًا عن الخيال بنسبية يحقق من خلالها جمالية اللحظة الطبيعية. مخترقًا بذلك ما وراء الصورة الرومانسية الغارقة في الحركة الإيقاعية ذات الإقرار الضوئي، والتلاشي عند نقطة التقاء العدسة مع الحركة الالتفافية والضوء. وبتأثير وجداني يفيض عقلانية وتأملات تُفصح عنها العدسة، تسترعي الإحساس البصري وتتركه في حالة صمت يستحوذ على التفاصيل في صورة الطبيعة وفضاءاتها أو الأمواج خاصة. مصوّرًا طبيعة العالم المائي ومعنى الحياة فيه بفلسفة العالم الداخلي للانعكاس الخارجي، وبعدسة تحاول إيضاح الفكرة من خلال برهنة قوة الصورة ومعناها في إثارة التأمل وجمالية الطبيعة الكونية.
يرتكز محور الصورة في أسلوب الفنان "بوتشينلي" على جذب الموضوع الجمالي في كل ما حولنا، وكأنه يمارس ركوب الأمواج بصريًا، بل وبتعالي فكري وحسي وجوهري، وبفهم تصويري يتصف بمقاييس ذات نتاج طبيعي لحالة الحركة في كل شيء حولنا. وبمزج ذاتي وموضوعي للضوء، يساهم في تشكيل الخطوط الوهمية وضبابية الكائنات الطبيعية، من قطرة الماء وصولًا إلى كتلة الماء وسحرها في تشكيل الصور ومعانيها في أشد لحظات التبصر التي استطاع اصطيادها وحصرها ضمن زمنية معينة أرشَفها باختزال تنوَّعت فيه درجات الضوء وفكر فوتوغرافي مجرد.
صياغة ضوئية مقيدة بلحظة تشتد فيها الكتلة، ويتراخى ما حولها، وبسمات تستعصي على الفهم نوعًا ما. إذ يترك للصورة شدة التعبيرات، وبتباعد فكري فوتوغرافي مرتبط بمؤثرات تصيب الحس بالذهول، فهي تعج بالحركة غير المألوفة في الأمواج الأكثر تشكيلًا من اللون، وبعدسة ترسم اللحظة الزمنية للحياة ما حولنا بخبرة جمالية تُضيء الفكر وفق إشكالية ترتبط بالبحر والحياة، وبتنوع تتشابه فيه الصراعات التي يمكن تسخيرها لتكون مادة دسمة لعدسة ضوئية فلسفية في تطلعاتها التصويرية وفروقاتها المرتبطة بالعدسة والعين، وموازين الإحساس، وبعمق رومانسي يبحث من خلالها عن قوة الوجود.
تتناسب الأجزاء الدقيقة من الصورة في أعمال الفنان "بوتشينلي" مع المفهوم التصميمي، وبكفاءة العين البشرية وتحدياتها للعدسة المسخَّرة لالتقاط اللحظة، وببصمة جمالية إنسانية وتناظر فوتوغرافي يؤكد من خلاله بوتشينلي على وجود قوة ما وراء الصورة، لبراعة المشهد المتشكل في الصورة وأسلوبيتها في صناعتها، لتكون البرهان الفاصل بين قوة العين وتسخير العدسة تبعًا لاستنتاجات فيزيائية تسبق اللحظة الملتقطة، وبتكييف ضوئي مبهر للبصر. إذ تبدو التأويلات المبهمة معادلات بيولوجية مرتبطة بالعين، وتحسس استنتاجي له براهينه المعقدة في صورة تعصف بالذهن وتثير التساؤلات حول القوى الطبيعية وما ورائيتها. فهل يحاول بوتشينلي خلق براهين فلسفية يتحدى بها البصر؟
أعمال الفوتوغرافي "أليساندرو بوتشينلي" ضمن مهرجان "فوتوميد" (Photomed) في مركز بيروت للمعارض (
ضحى عبدالرؤوف المل
تم نشره عام 2016