تبقَ الديمقراطية هي الفاعلة
قراءة في كتاب "خيارات صعبة" مذكرات هيلاري كلينتون
ضحى عبد الرؤوف المل
لعبت "هيلاري كلينتون" في كتابها "خيارات صعبة"، الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، دورًا بارزًا في مذكراتها المشحونة بالأحداث والتحليلات، وبموضوعية ذات حنكة سياسية انطلقت من قاعدة المحاماة وكناشطة في مجال العدالة الاجتماعية مع "باراك أوباما"، الذي استطاع الفوز في الانتخابات التي خاضتها بحلوها ومرّها، فهي تشاركت فكرة الخدمة كمسعى نبيل، مؤمنة بعمق المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه الحلم الأميركي تحت شعار: "لا يهم من أنت ومن أين أتيت. إذا عملت جاهدًا والتزمت مبادئ اللعبة، فستحظى بفرصة لبناء حياة تليق بك وبعائلتك". فهل الحلم الأميركي هو توحيد العالم كعائلة واحدة بتشارُك ديمقراطي واحترام متبادل لمن يدخل الحلبة؟ أم أن المرأة في مذكراتها تصف رحلة حياتية من النوع الأول التي تليق بأميركا؟
تُثير هيلاري في مذكراتها نظريات اجتماعية وفكرية تقودها إلى السياسة، بفن المرأة المرتبطة بتيارات من النظريات التي تعتمد عليها في توجهاتها، مع الاهتمام الشديد بصورة أميركا في نفوس الآخرين، وبتعلّق كلي بحلم هو هدف لكل فرد من أفراد العائلة الأميركية، وبصيغة الجماعة، وكأنها جزء من كينونة تتلاحم عناصرها مع بعضها البعض، وإن أظهرت الاختلافات في الشخصيات والود في حلبات الصراع الرئاسي، مستنكرة "شحنة العنصرية المنافية للعقل ضد بيل"، بوصفها مؤلمة، ولكن بالمضي قُدمًا نحو الأمام، لا بد من الاتحاد عند التوقف في مرحلة السياسة الانتخابية، التي أولتها اعترافات ذات أهمية كبرى، خصوصًا في تحضير الخطاب الشبيه بالحمل الثقيل، الذي يستمد من فكرها الرغبة في تحقيق التوازن ودعم ناخبيها مع الاهتمام بالتطلع إلى المستقبل.فهل الكتاب يؤكد على أهمية المرأة في الحياة السياسية الأميركية جنبًا إلى جنب مع الرجل دون إظهار فروقات لكلا الجنسين؟
"النور ينبثق عبر هذه الشقوق"، ومناهضة المرأة في أميركا تتمثّل في الانتخابات الهادفة إلى تحقيق نجاحات في مرحلة اشتدت فيها المنافسة، ولم تكن منافسة ضد الرجل، بل جنبًا إلى جنب معه، وبرقي فكري أبرزته في الكثير من المحاور في الكتاب، ونسيجه السياسي المرتبط بأدب المذكرات السياسية وحنكتها، وإن بسيرة ذاتية انطلقت منها "هيلاري كلينتون" لتكوين صورة عن المرأة الأميركية ومفاهيمها تجاه بلدها الواسع الخيرات، كما تصفها، مع التركيز على جولاتها وخطاباتها التي أنهكتها، مستعرضة بنود الخسارة والربح، وبميل نحو مفهوم الخسارة التي نربح من خلالها لقاءات ومعرفة تضيف الكثير إلينا، وخصوصًا صقل الشخصية بشكل أوسع، لتستمد خبراتها من نقاط الضعف فتزداد قوة.فهل في مذكراتها مدرسة سياسية ذات خيوط تركتها لجيل جديد يمكن له حبك رؤية من الماضي يستفيد منها مستقبلًا؟ أم أنها جنّدت مذكراتها لتكون سلاحًا لها في الأيام المقبلة ولماضٍ تفتخر به؟
ترصد "هيلاري كلينتون" في مذكراتها حركتها الحياتية، السياسية منها والوجدانية، مع الاهتمام بالصورة التعبيرية الأقوى من الكلمة بصريًا، لتكون مقروءة بحواس الزمن الذي تبثه مفاهيمها في البيت الأبيض خصوصًا، ونحو أميركا ومع المرأة، وقدرتها على خلق تحديات تُحفّزها دائمًا لتكون في الطليعة، مع التركيز على لباقة الكلام عن الآخرين: الأعداء، والأصدقاء، والمنافسين، الذين تبرر وجودها بينهم على علو فكري وسياسي وثقافي. لأن الكلمة الفصل والأساسية: أميركا أولًا.
القرارات، الأفعال، الدراسات، الأسرة، العقلانية، والعواطف المؤهلة لكسب التأييد، وإن خسرت مركزًا رضيت بالعمل الخيري والإنساني والشعبي لتزداد شعبيتها، وتكون بمثابة الأرض الثابتة التي تحتاجها أميركا من كل فرد من أفرادها، فهي تحاول في مذكراتها أن تمنح المعجبين بأدائها السياسي والفكري نوعًا من المحبة المرتبطة بإيمانها بالوطن وبأبنائه، وهي في كتاب ستبقى فيه مؤرّخة لأفعالها في المعاني التي منحتها قوة المرأة ورجاحة عقلها في استخلاص فلسفة شبه وثائقية، في السراء والضراء، وحتى في الجلسات الحميمة مع الأصدقاء الذين تمسّكت بهم حتى النهاية...
كتاب موسوم بمذكرات ذات خيارات صعبة، استعرضتها بتكنيك عاطفي، مجدول بعقلانية الحكاية ذات الأحاسيس السياسية النافية للتعصّب والقوة غير المبررة، مع الحفاظ على توازن الشخصية بأسلوب تشويقي لا يملّ منه القارئ، بل يتطلع إلى المزيد لمعرفة حياة هذه المرأة حتى النهاية، أو بالأحرى، حتى الرمق الأخير...
تم نشره في جريدة المدى عام 2016
برؤية تحديثية أخرى عام 2025
تبقى الديمقراطية هي الفاعلة
قراءة في كتاب "خيارات صعبة" لهيلاري كلينتون
ضحى عبد الرؤوف المل
في كتابها "خيارات صعبة"، الصادر عن "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، تقدم هيلاري كلينتون مذكرات سياسية مشحونة بالأحداث والتحليلات، مشكّلة بمهارة سردية وحنكة سياسية نابعة من خلفيتها كمحامية وناشطة في العدالة الاجتماعية، وشريكة في الحلم الأميركي إلى جانب الرئيس باراك أوباما، الذي نافسته في الانتخابات ثم وقفت إلى جانبه.
تؤمن كلينتون بالخدمة كمسعى نبيل، وتُجسّد بعباراتها شعار الحلم الأميركي: "لا يهم من أنت، ومن أين أتيت. إذا عملت جاهدًا والتزمت مبادئ اللعبة، ستحظى بفرصة لبناء حياة تليق بك وبعائلتك." فهل تسعى كلينتون لتوحيد العالم تحت عباءة الديمقراطية الأميركية، أم أنها فقط تسرد سيرة امرأة طموحة في بلد الفرص؟ وهل هذه المذكرات تتقاطع فيها السياسة بالذات؟
تمضي كلينتون في كتابها محلّلةً النظريات الاجتماعية والفكرية التي وجّهت مواقفها السياسية، منطلقة من رؤيتها كجزء من نسيج أميركي يُعلي من شأن الجماعة، مع إبراز الفوارق في الشخصيات، لكن من دون تخلي عن روح الاحترام والمنافسة.
وتقف عند محطات انتخابية مفصلية، مشيرة إلى تجارب عنصرية طالت زوجها بيل كلينتون، واصفة إياها بـ"المؤلمة"، لكنها تؤكد في المقابل على أهمية الاتحاد والتماسك للمضي قدمًا. وتكشف عن الأعباء النفسية والسياسية التي رافقت خطابها الانتخابي، مشددة على أهمية دعم الناخبين والتطلع للمستقبل، وطرْح المرأة كشريك سياسي متساوٍ للرجل، لا تابعًا ولا خصمًا. فهل من مدرسة سياسية في طيّات التجربة؟
لا تدّعي كلينتون في مذكراتها أنها تنافس الرجل، بل تتقدّم مع الرجل، وتؤكد على فكر ناضج يوازن بين الحضور السياسي وأدب المذكرات. تسرد رحلتها الذاتية كمرآة تعكس تطلعات المرأة الأميركية، من خلال جولات وخطابات وإنهاك لا ينتهي.وتسأل الكاتبة بذكاء: هل تركت كلينتون مدرسة سياسية حقيقية للأجيال الجديدة؟ أم أن الكتاب مجرد وثيقة شخصية تسلّح بها نفسها للمستقبل، وتستعرض من خلالها ماضياً تفخر به؟ وما هي حواس الزمن في البيت الأبيض؟
ترصد كلينتون تحركاتها الحياتية، السياسية والوجدانية، وتصنع من الكلمات صورًا بصرية تُقرأ بالحواس، لتصل مباشرة إلى وعي القارئ، وخصوصًا في محيط البيت الأبيض، حيث ترصد قدرتها كامرأة على خلق تحديات ومواجهتها بلباقة وفكر.وتتعامل مع خصومها وأصدقائها بخطاب لا يخلو من الود والدهاء، في توازن بين ما هو إنساني وما هو سياسي، مؤكدة أن "الكلمة الفصل: أميركا أولًا."
بين الخسارة والمعرفة تبرز في مذكرات كلينتون قدرة على قبول الخسارة كمرحلة ضرورية لاكتساب المعرفة وصقل الشخصية، وتقدّم نفسها كأرض صلبة تحتاجها أميركا من جميع أبنائها. من العمل السياسي إلى النشاط الإنساني، تظل صورتها واحدة: امرأة أميركية تؤمن بوطنها وتخدمه بفكر واحتراف. فهل السرد في الكتاب لا يُمل؟
في "خيارات صعبة"، تمزج كلينتون بين العقلانية والعاطفة، وتقدم سردًا شيقًا يجعل القارئ يتتبع خطواتها حتى الرمق الأخير. بأسلوب مشبع بالأحاسيس السياسية، بعيد عن التعصب والقوة غير المبررة، تكتب مذكراتها كوثيقة وجدانية سياسية، تؤرّخ فيها لتجربتها كامرأة تُجيد اللعب في ميادين السياسة دون أن تتخلى عن ملامحها الإنسانية.
Doha El Mol