ريشة تحاول الولوج إلى الدواخل الفكرية
ضحى عبدالرؤوف المل
تفوح الفلسفة الإنسانية من أعمال الفنان نديم كرم (Nadim Karam)، ضمن الألوان الباردة والساخنة، وبحيادية تتوحّد فيها التأملات الفنية الغارقة في العمق الوجودي، المتزن مع الصمت والسكون وضجيج الحركة، تاركًا للّون مهمة ترجمة انفعالاته العقلانية، وبنوع من الغرائبية المقترنة بمصطلحات الشكل والجوهر، على مجسّمات تتصل بالفكرة ومعالجتها، والقدرة على اختراق ماهية الوجود بخربشاتٍ ما هي إلا تساؤلات يترك استكشافها للرائي تبعًا لفكره وتوجّهاته، مؤكّدًا العلاقة التي تربط اللون بالشكل، والمدلول الفكري للفنان من خلال فتح مساحة اللون وخلق جدلية بصرية تحوز على رضا النفس لدى المتلقي، بحيث تجذبه الفراغات نحو إمساك الخيوط اللونية ومدلولاتها الجمالية، للإحاطة بالمفردة التشكيلية المحمّلة بفلسفته ودلالاتها المعرفية بصريًا.فهل يحاول الفنان نديم كرم الدخول في متاهاتٍ إنسانية لا أجوبة لها؟
في أعمال الفنان نديم كرم يتمثّل الإنسان والقدرة الهائلة من الهواجس والأفكار التي يصعب ترتيبها وسط فوضى الزمن والمكان، من خلال توظيف يرتكز على الخطوط واللانهائية التي تكرّر نفسها بنفسها عبر الأجيال المتعاقبة، مما يزيد من التعقيدات التي ربطها بخربشاته الحيادية والخاصة بكل إنسان، لتنخرط الإيحاءات السريالية مع التخيلات التي تقودنا نحو البيئة المحيطة بنا.
فتضافر الألوان مع الخطوط، وتحديدًا الأصفر والرمادي، وبتعاضدٍ يشد أزر كلٍّ منهما عبر حبكة الشكل والمعنى، يخلق محورًا بصريًا تتوازن فيه المستويات اللونية إيقاعيًا ضمن حركة مفتوحة، وكأن العمل الفني يدعو المتلقي للدخول إلى عوالمه المختلفة، ضمن توحّد الألوان والشكل والخط، كسمفونيةٍ انطلقت نوتاتها من تجربة إنسانية واعية.
أفكار فنية تحاول الولوج إلى الدواخل الفكرية، وبديناميكية فلسفية تتوالى فيها التعبيرات التشكيلية الصارخة، وإن بسكونٍ تأملي يميل نحو ثنائية اللون والشكل، ليناجي الذات بفراغاتٍ تضيق وتتّسع، ليصبح المعنى المرتبط بتشابك الخطوط هو الحلول التي يربطها باستنتاجاته أو بمعادلات لا تخلو من قياساتٍ هندسية، ذات جاذبية ثرية بقدرته على الإمساك بالمتلقي، ليفتح تأمّلاته ويحاور الألوان والخطوط والمعاني التي تحاكي بتأويلاتها شتى الأفكار النابعة من الأعلى والأسفل، ومن اليمين والشمال، بشكل كلي وجزئي، دون حدودٍ يربط اللوحة بها.
فالإنسان، في كل زمان ومكان، لا حدود له، لأنه كينونة متكاملة، وبإيقاعات فكرية مكتملة، عزف عليها نديم كرم بفنّ هادئ وتواصلي عبر تجاوزاتٍ افتراضية، هي الفارق بين اللون الأصفر والرمادي، وتدرجات كل منهما، مع الاحتفاظ بالمعنى الجوهري للّوحة التي استوقفتني لتأمّلها، وبمداورة تحتضن كل حركة تركها بين الفراغات.
يمزج الفنان نديم كرم بين معطيات التجربة الإنسانية وموضوعية الرؤية العابقة بمعادلات الرموز والإشارات، والإيحاءات المثيرة للتخيلات، التي تشي بنصوص بصرية مملوءة بتعابير الخطوط، وما يميزها بين الألوان، فضلًا عن الفراغات المنسوجة بأنماطٍ تعبيرية مختلفة، لا تخلو من سريالية في بعض منها.
إذ ربطها بمقامات الحركة المختلفة، أو بالأحرى باستقلالية اللون، وقوّته، وحدّته، أو انخفاضه، وتلاحمه، وتلاشيه أحيانًا. فالزخم التخيّلي المنبعث من لوحاته يفيض بتحدياتٍ وصراعات تبدأ من الإنسان نفسه ولا تنتهي... أي هي ما لا نهاية.
معرض الفنان “نديم كرم” (Nadim Karam) في غاليري أيام عام 2016