هل ايقظت مجموعة " فؤاد دباس" الفوتوغرافية بلاغة الماضي ومؤثراته على الحاضر؟

ضحى عبدالرؤوف المل

تُجسّد الصور التي جمعها "فؤاد دباس" (Fouad Debbas) سحر الشرق والرؤية الفنية لهذا العالم، الباحث عن تخليد حضارته في لحظات تجمّدت فيها التفاصيل التي تختزن روحية ثقافة شرقية، اهتم بها "فؤاد دباس" وتركها ضمن فوتوغرافيات تسمح بصريًا باكتشاف أزمنة الماضي التي كانت شرارة انطلاق للكثير من المدارس الفنية بكل مكوّناتها، والخوض في لاشعورية اللقطة ضمن فوارق التطوّر السريع الذي تشهده الصورة اليوم من تغيّرات في الأمكنة والمقاييس، والمعايير البصرية التي قلَبت الموازين الفوتوغرافية وجعلتها تتمسّك بالصورة الاستشراقية، وما تحمله من جمالية تستحق التأمل بعمق في كل تفاصيلها الزمنية والمكانية، وحتى الحدث والفكرة التي انطلقت معها، خصوصًا مع "فؤاد دباس" وعالمه التصويري الساحر الذي افتُتن به وتركه كمؤرّخ فوتوغرافي اهتم بالشرق، وعاداته وتقاليده وأحداثه. فهل لهذا الإرث الفوتوغرافي نظرة تحليلية مهمة في عالم التصوير؟

تشمل مجموعة فؤاد دباس أكثر من ٣٠ ألف صورة من منطقة الشرق الأوسط، تحديدًا من لبنان، سوريا، فلسطين، مصر، وتركيا، وتعود إلى الحقبة الممتدّة بين ١٨٦٠ وستينيات القرن العشرين. تكوّنت المجموعة على مدى عقدين من الزمن، وحِفظًا للتراث الثقافي الذي اهتم به كوجود بصري توثيقي له أهميّته بالنسبة للشرق عامة، وللفن الفوتوغرافي في الشرق خاصة، قيمة ثقافية فنية تؤرّخ لمرحلة مهمّة في الشرق، مع التركيز على الانطلاقة الفنية كالغناء والمسرح وما إلى ذلك. فهل تطلّ الصورة من التاريخ حاملة تفاصيل يصعب وصفها بالكلمة؟

مجموعة من الصور تتجلّى فيها عبَق الشرق وجمالية الزمن المتجمّد في صور نستمدّ منها تاريخًا عريقًا يطرحه "فؤاد دباس" بجمالية تكشف عن خصائص الزمن في حقبة مهمّة من تاريخ الشرق وتراثه وحضارته ورؤاه الحاضنة لمعطيات الفن الفوتوغرافي لتلك الحقبة. وتناول المجموعة من زاوية نقدية ذات معايير فنية يحتاج لدراسة معمّقة، لما تحمله من غنى تراثي وفوتوغرافي لدول عربية، ولبلاغة المعنى المرتسم في ملامح الصور وتأثيراتها بشكل عام.

ارتبطت المجموعة بالفكرة الاستشراقية، والحسّية الجمالية المرافقة لنوعية اختيارها، لاتصالها بالحقيقة الواقعية التي تمثّلها ودلالاتها المكانية والزمانية في خلق جدلية فوتوغرافية عصرية، في زمن باتت الصورة جزءًا لا يتجزّأ من مرافقة الواقع، بل وإظهاره بطريقة مختلفة. مما منح الصورة في مجموعة "فؤاد دباس" قيمة مضافة، متنقّلًا بين العديد من المواضيع، وما أراد أرشفته، وذلك على مقدار أهمية كل صورة وما تمثّله من محاكاة لشخوص نستمتع برؤيتهم، كما نتذوّق قيمة التاريخ في إرث فني فوتوغرافي ذي بنية معنوية تُؤدّي إلى كشف المعاني العميقة للمكان والزمان، ووظيفة كلٍّ منهما في مفردات الصورة القديمة والجديدة على السواء. فهل أيقظت مجموعة "فؤاد دباس" الفوتوغرافية بلاغة الماضي ومؤثّراته على الحاضر؟

مجموعة "فؤاد دباس" (Fouad Debbas) الفوتوغرافية في متحف سرسق (Musée Sursock) ويستمر حتى 18 نيسان 2016.

تم نشر هذا المقال في جريدة اللواء 2016

برؤية أخرى

تعكس الصور التي اقتناها فؤاد دباس (Fouad Debbas) جوهر الشرق وسحره، وتُترجم رؤيته الفنية التي سعت إلى تجسيد حضارة غنية في لحظات فوتوغرافية مجمّدة، اختزلت في تفاصيلها نبض ثقافة شرقية شغف بها دباس، وخلّدها ضمن أرشيف بصري يتيح للعين فرصة السفر إلى أزمنة مضت، كانت منطلقًا لتكوين مدارس فنية متعددة المشارب، ودعوة للتأمل في لحظة الكاميرا اللاواعية وسط تحوّلات الصورة السريعة، من حيث المكان والمقياس والمعيار الجمالي. لقد تغيّرت مفاهيم الصورة، لكن دباس ظلّ وفيًا للرؤية الاستشراقية التي تحمل أبعادًا جمالية تستحق التوقّف عندها وتأمّلها ضمن سياقها الزماني والمكاني، بل ومع فكرتها وحدثها، في عالم تصويري فتن دباس به وتركه كأرشيف غنيّ يؤرّخ لعادات وتقاليد وحكايات الشرق. فهل يمكن النظر إلى هذا الإرث كمصدر تحليلي مهم في مجال التصوير المعاصر؟

تضم مجموعة دباس ما يزيد على 30 ألف صورة، تتوزع على مناطق عدة في الشرق الأوسط كلبنان، وسوريا، وفلسطين، ومصر، وتركيا، وتعود لفترة زمنية تمتد من عام 1860 حتى ستينيات القرن العشرين. وجاء جمعها على مدار عشرين عامًا بدافع توثيق الذاكرة البصرية الشرقية، وهي تمثّل بعدًا ثقافيًا وفنيًا عميقًا يُعادل التأريخ البصري لمرحلة مفصلية في تطور الفنون، مع تركيز خاص على بوادر التعبير الفني مثل الغناء والمسرح. فهل باستطاعة الصورة أن تبوح بما تعجز الكلمة عن قوله؟

إنها مجموعة فوتوغرافية تنبض برائحة الشرق وجاذبية الزمن المعلّق، تروي حكايات تاريخية عريقة من خلال عدسة دباس التي التقطت ملامح الأزمنة القديمة، وعبّرت عن مكنونها البصري بشكل يكشف عن خصائص فنية وحضارية تحتاج إلى قراءة نقدية واعية، تُقارب غنى الصور من زوايا تراثية وجمالية، وما تختزنه من عمق رمزي يتجاوز المظهر إلى الدلالة.

وقد ارتبط هذا المشروع الفوتوغرافي بالمخيلة الاستشراقية، وبحساسية فنية مميزة، تعكس دقّة اختيار اللقطات من حيث ارتباطها بالواقع وتوثيقها للمكان والزمان في آنٍ واحد، ما شكّل جدلية بصرية حديثة، خاصة في عصر أصبحت فيه الصورة أكثر من مرآة، بل وسيلة لإعادة تشكيل الواقع. من هنا، اكتسبت أعمال دباس قيمة إضافية، متنقلة بين موضوعات متنوّعة، تعكس رغبته في أرشفة لحظات ومشاهد تعبّر عن شخوص وأزمنة، نستمتع بمشاهدتها، كما نستلهم منها أبعاد التاريخ وقيمته الفنية في إرث فوتوغرافي عميق المعنى، يُعيد النظر في مفهومي المكان والزمان ووظيفتهما في الصورة سواء القديمة أو الحديثة. فهل أعادت صور دباس بلاغة الماضي إلى راهننا الثقافي؟

Doha El Mol