يدُ الله هي الأقوى في تحقيق العدالة الطبيعية
فيلم العائد من الموت – The Revenant
ضحى عبد الرؤوف المل
"أعلم أنك تريد أن ينتهي هذا، أنا هنا بقربك، سأكون هنا، لكن إيّاك أن تستسلم، هل تسمعني؟ لطالما لا يزال بإمكانك التنفس، فيجب عليك أن تقاوم. تنفّس، واصل التنفّس." مشهد سريالي يستمد وجوده من نفسٍ ما زالت تحلم، وما زال الماضي يتحكم بوجودها، في النفس التوّاقة إلى إعادة لحظة عائلية سرقها الزمن من رجلٍ متمسك بالحياة من خلال مقاومتها بشراسة، كماءٍ يجري تركه المخرج في المشهد مع صوته وحنين اندفاعه نحو الغابات وكنوزها ضمن مغامرة صيد دببة للحصول على فرائها وكنوزها، التي تؤدي إلى مخاطر تُفضي بالحياة. لأننا متوحشون نبدأ بالقضاء على الطبيعة، وبالاعتداء المتوحش على الحيوانات، التي لا بد أن تنتقم، دون الاهتمام بمشاعرنا التي تحتاج إلى صقل دفاعاتها الداخلية قبل الخارجية، فالدوافع القتالية قد تتقاطع، والقدر يسير بنا نحو المجهول، ويدُ الله هي الأقوى في تحقيق العدالة الطبيعية حتى ما بين الطبيعة والحيوان والإنسان، ولا بد لغريزة البقاء من دافع تحفيزي يجعلها تناضل بشراسة لتحقيق توازن الحياة في زمن لم تظهر فيه وسائل الحياة الحديثة.
تساؤلات مفتوحة على مصاريعها: هل نحن متوحشون؟ وهل نبحث عن الانتقام بشكل مستمر في الحياة؟ وهل المجرم دائم الهروب نحو المجهول؟ وهل القدر يسير بنا نحو الأهداف التي نرسمها سرياليًّا وباللاوعي حيث نستخلص المفاهيم دون رؤية؟ استطاع المؤلف رسم دراما حياتية تطورت زمنيًّا مع المشهد السريالي، منطلقًا من سريالية الوجود نحو واقعه الذي فقد فيه الزوجة والابن، دون الاهتمام بالتفاصيل التي لم يرها إلا بعد فهم المغزى الحقيقي الذي دفعه إلى الانتقام، أو بالأحرى السبب الأقوى للبقاء. فبين ابنة الهندي "بواكا" التي تم خطفها، وابن الصياد غلاس، فروقات الوجود والعدم والدفاع عن الشرف والانتقام أو الأخذ بالثأر. إلا أن الفراء اتخذ وجهات مختلفة: ما بين استبداله مع الفرنسيين لإكمال رحلة البحث عن الفتاة الهندية المخطوفة، وما بين الحصول عليه لبيعه وتحقيق الثراء، فرق شاسع. فتوازن الحياة في عدلها الطبيعي يأتي دون عناء، لأننا مهما حاولنا السعي لتحقيق العدالة، تبقى يد الله هي الأقوى في تحقيق ذلك.
يتعرض "غلاس" لهجوم دبٍّ شرس أثناء محاولته صيد الدببة، فيُصاب بجروح قاتلة، يقاومها بشراسة أكبر ليبقى مع ابنه، الذي لا يمكن له البقاء مع فئة ينظرون إليه من خلال لون وجهه والشبه الكبير بينه وبين الأم الهندية التي تزوجها "غلاس" وأنجب منها ابنه الوحيد. ومن ثم فقدها في معركة أبادت قبيلتها، ولم يبقَ منها إلا هو وابنه. فهل معركة البقاء هي صراع داخلي أقوى من صراعات الحروب؟ أم أن رواية الكاتب "مايكل بنك" فلسفية في تحليلاتها السيكولوجية وفلسفتها الإنسانية؟
يقول فيتزجيرالد في الفيلم: "أي حياة تتحدث عنها؟ ليس لدي أي حياة، الطريقة الوحيدة للعيش بالنسبة لي أن تكون مع هذا الفراء." فالصياد فيتزجيرالد لا أبناء له، يحيا بمفاهيم أبيه، ودون عمق فكري أو إنساني، لأنه ينظر إلى ابن غلاس من خلال الوجه، وبحقد وتعصب لا مبرر له. إلا أنه ينتمي لأم هندية، فيقتله في لحظة قرر فيها ترك "غلاس" ليواجه قدره وحيدًا في غابة اعتنت به أكثر مما اعتنى به الإنسان، الوفيّ الذي قدم له يد المساعدة قبل أن يموت معلقًا على غصن شجرة بيد بعض المتوحشين الذين نالوا منه، واستطاعوا قتله قبل مواصلة رحلته التي نهل منها "غلاس" ما جعله يستمر في الحياة، التي يخوضها لتحقيق انتقامه من فيتزجيرالد فقط، دون النظر لأسباب بقائه على قيد الحياة.
إننا نتخلى عن الفراء، لأن الشرف يتطلب هذا، فالدافع هنا اجتماعي بحت قبل أن يكون إنسانيًّا. إلا أن رمزية الشرف دفعت بالهندي نحو رحلة قتالية هدفها الدفاع عن شرفه واستعادة ابنته، ولكن غلاس، رحلته التي قاوم فيها الحياة بكل أشكالها، كان الدافع فيها الانتقام، والانتقام في يد الخالق فقط. وهنا اتخذت الدراما أبعادًا وجودية هي من صنع الأقدار، التي تنمو بداخلنا بقوة الإرادة التي تريد تحقيق الأهداف. فالفيلم يعالج فكرة الإنسانية وصراع الخير والشر، والتقاطع مع العوالم المختلفة التي نجهل لغتها الفكرية أو بماذا تفكر على الأقل، فالتذبذب بين المصالح والأطماع والحروب ما هي إلا دراما صنعها الإنسان، بشخوصٍ تحمل كلٌّ منها فكرة ما. "لا يمكن للريح أن تهزم الشجرة ذات الجذور القوية، عندما تكون هناك عاصفة وأنت تقف أمام الشجرة، إذا نظرت إلى غصونها ستقسم بأنها ستسقط، لكن إذا نظرت إلى الجذع، فسوف تلاحظ ثباتها." جملة يضعها "غلاس" أمامه لتكون بمثابة الوصول إلى الهدف الذي يسعى له، قبل أن يقاوم كل فناء يمتد في جسده، فالروح القوية قادرة على كسب معركة الوجود، الذي لا يحتاج إلى انتقام، لأن عدالة الله كفيلة بذلك.
استطاع "ليوناردو دي كابريو" أو هيو غلاس إثبات جدارته الدرامية عبر قدراته، التي منحها المخرج المؤثرات التي تستحقها، لتكون ضمن مشاهد ذات مستويات عالية الجودة تصويريًّا وموسيقيًّا وتمثيليًّا. فالإخراج الثري بالتعبير الدرامي بعناصره مجتمعة، منح الفيلم نشوة حسّية عالية عند المشاهد، الذي تابع قوة الأداء الدرامي عند الممثلين الذين وضعونا في أطر الزمان والمكان، ببدائية لا يمكن تخيل صعوباتها، لتحقيق مسحة من الواقع الدرامي للحياة بكل تفاصيلها، دون سياسة معينة ينتهجها الإنسان، إنما بتوازن كوني اعتمد على تنوع الأهداف لكل فرد من أفراد الفيلم. مما ترك المشاهد يتغلغل أكثر فأكثر في أعماق المشهد وقساوته، خصوصًا تلك التي يظهر فيها "ليوناردو دي كابريو" يأكل اللحم النيء، أو نائمًا في جثة حصانه الذي مات إثر وقوعه من حافة عالية. فهل الانتقام هو ما دفع “هيو غلاس” لمقاومة الموت بقطع المسافات ومشقاتها للوصول إلى فيتزجيرالد؟ أم أن دراما الحياة هي التي تباغتنا، فلا نفهم العبرة منها إلا في النهاية؟
تم نشره في جريدة مرايا عمان عام 2016
برؤية فلسفية أخرى
قراءة فلسفية في فيلم "The Revenant"
بقلم: ضحى عبد الرؤوف المل
"أعلم أنك تريد أن ينتهي هذا، أنا هنا بقربك، سأكون هنا، لكن إيّاك أن تستسلم، هل تسمعني؟ لطالما لا يزال بإمكانك التنفس، فيجب عليك أن تقاوم. تنفّس، واصل التنفّس."
يستمد هذا المشهد السريالي من فيلم The Revenant وجوده من نفسٍ لا تزال تحلم، وتعيش تحت وطأة ماضٍ يتحكم بوجودها. إنها ذات إنسانية تتوق إلى إعادة لحظة عائلية مسروقة من رجل متمسك بالحياة عبر مقاومتها بشراسة، تمامًا كماءٍ يجري، وقد تركه المخرج يتدفق بصوته وحنينه نحو الغابات وكنوزها، ضمن مغامرة صيد تهدف إلى جمع الفراء، لكنها تكشف عن مخاطر تهدد الحياة ذاتها.
من هذا المنطلق، يطرح الفيلم إشكالية التوحش الإنساني في علاقته مع الطبيعة، حيث يبدأ البشر بالتدمير والاعتداء على الكائنات البرية، متجاهلين أنها قد تنتقم يومًا، وأن الغريزة الدفاعية للإنسان لا تتشكل من الخارج فقط، بل من الداخل أولًا. تتقاطع الدوافع القتالية مع القدر الذي يسير بنا نحو المجهول، حيث تبقى يدُ الله هي الأقوى في فرض العدالة الطبيعية، بين الإنسان والطبيعة والحيوان، في زمن لم تعرف فيه البشرية بعد وسائل الحياة الحديثة. فهل تطرح الحبكة تساؤلات وجودية كبرى:
هل نحن متوحشون بطبعنا؟ هل نبحث عن الانتقام كجزء من ديمومة الحياة؟ هل المجرم دائم الهروب؟ وهل يقودنا القدر إلى أهداف مرسومة سرياليًا في وعينا الباطن؟ استطاع المؤلف أن يرسم دراما تطورت زمنياً، قائمة على مشهد سريالي ينطلق من فلسفة الوجود نحو واقعية مؤلمة، فقد فيها البطل زوجته وابنه، واكتشف متأخرًا مغزى الانتقام، بوصفه السبب الأعمق للبقاء.
بين ابنة الهندي "بواكا" المخطوفة وابن الصياد "غلاس"، تظهر مفارقات كبرى بين الوجود والعدم، وبين الدفاع عن الشرف والثأر. وبينما اتخذ الفراء أشكالًا متعددة، من تبادل مع الفرنسيين إلى سلعة للثراء، بقي التوازن الطبيعي للعدالة الربانية هو الحكم. فكلما سعى الإنسان لإحقاق عدالة فردية، فرضت العدالة الإلهية سطوتها، لأن يد الله تبقى الأقوى دائمًا.
يتعرض غلاس لهجوم دبٍّ شرس أثناء الصيد، ويصاب بجروح مميتة، لكنه يقاوم بدافع البقاء إلى جانب ابنه، المرفوض من المحيط بسبب ملامحه الهندية. بعد فقدان زوجته في معركة أبادت قبيلتها، يتبقى له هذا الابن كرمز استمرارية ومرآة للمعاناة، مما يدفعنا للتساؤل: هل معركة البقاء هي صراع داخلي أعمق من الحروب الخارجية؟ وهل أراد "مايكل بنك" أن يُسقط تحليلاته السيكولوجية والوجودية على دراما إنسانية محضة؟
في مشهد مفصلي، يقول فيتزجيرالد: "أي حياة تتحدث عنها؟ ليس لدي أي حياة. الطريقة الوحيدة للعيش بالنسبة لي أن تكون مع هذا الفراء." هذه العبارة تكشف هشاشة شخصية لا أبناء لها، تنسج مفاهيمها من والد قاسٍ بلا جذور إنسانية. ينظر فيتزجيرالد إلى ابن غلاس بحقد، لا لسبب سوى انتمائه العرقي، ويقتله، ثم يترك غلاس يصارع مصيره وحيدًا. لكن المفارقة أن الغابة – رغم وحشيتها – تعتني به أكثر من البشر.
ينجو غلاس بفضل رجل وفيٍّ أنقذه، قبل أن يلقى حتفه على يد المتوحشين. يواصل غلاس رحلته لا من أجل البقاء، بل للانتقام. ومع أن الدوافع تبدو شخصية، إلا أن الفيلم يوحي بأن الانتقام لله وحده، مما يمنح العمل بعدًا وجوديًّا عميقًا. فهل معركته كانت من أجل البقاء حقًا، أم كانت دراما وجودية تجسّدت بفعل الإرادة الحرة؟
رمزية الفراء تتبدل. الشرف هنا لا يُشترى، بل يُصان، ولهذا تخلى عنه غلاس في سبيل مبدأ أسمى. أما الهندي، فدفعته رمزية الشرف إلى الدفاع عن ابنته في رحلة قتالية تمثل قمة الالتزام الأخلاقي. في المقابل، كانت رحلة غلاس مدفوعة بالانتقام، الذي لا يملك إلا الله حق تنفيذه. وتغدو بذلك العدالة فعلًا قدريًا يتجسد في صراع الخير والشر، وتقاطعات المصالح والأطماع والحروب. فماذا في أحد أبرز الاقتباسات ؟
"لا يمكن للريح أن تهزم الشجرة ذات الجذور القوية. عندما تكون هناك عاصفة وأنت تقف أمام الشجرة، إذا نظرت إلى غصونها ستقسم بأنها ستسقط، لكن إذا نظرت إلى الجذع، فسوف تلاحظ ثباتها."
يتخذ غلاس هذه الجملة شعارًا، يقف أمامه كمرآة تعكس إرادته، ويخوض معركته رغم النزيف والانهيار الجسدي. فالقوة ليست في الانتقام، بل في البقاء رغم كل ما يدعو للفناء.
أثبت "ليوناردو دي كابريو" عبر شخصية غلاس قدرة استثنائية في الأداء الدرامي، مُسندًا إلى مخرج قدّم رؤية بصرية وموسيقية عالية المستوى، تجسدت في مشاهد بدائية واقعية شديدة القسوة. ومع ذلك، لم تكن السياسة أو الأيديولوجيا حاضرة، بل الإنسان في صراعه مع الطبيعة والزمن والمصير. فهل كان الانتقام هو وقود هذه الرحلة العنيفة؟ أم أن دراما الحياة لا تكشف عبرها إلا في نهايتها؟
هذا ما يجعل من The Revenant تحفة فكرية، تتجاوز حدود السينما نحو تأملات في ماهية الإنسان، وإرادة البقاء، وعدالة القدر.
Doha El Mol