لمسات أبو عفش المتلائمة مع هواجسه الشعرية
قراءة في كتاب الدوائر المتحدة المركز لنادين باخص
ضحى عبد الرؤوف المل – لبنان
تحوّل “نادين باخص” في كتابها "الدوائر المتحدة المركز" الصادر عن "شركة المطبوعات للنشر والتوزيع" إلى تقديم دراسة نقدية في شعر "نزيه أبو عفش"، بعنوان يميل نحو المحور الفكري والوجودي، وبميزة بحث عميق يغوص في المخبوء من مواقف الحياة، والفكرة الجوهرية الانعكاسية في تجربة أبو عفش الشعرية، في سبيل الدخول إلى عالمه الوجودي المحفوف بتجاوزات الفعل، واكتناه الذات البشرية، فيقول: "يوم قادتني جدتي لنشهد هبوط الموتى". فالتعرف على زوايا المعنى في قصائد أبو عفش يحتاج إلى تركيز "نادين باخص" على الشاهد الأهم في القصائد، للدخول بتقنية بحثية أكثر من أن تكون نقدية، وعلى فهم النص وخاصية كل جملة وكل لفظ له دلالاته وصوره الذهنية، والمنابع الوجودية التي استقى منها كثيرًا من مفرداته، كمجموعة دلالات على الموضوعات الوجودية وتصنيفها في كتاب المؤلفة "نادين باخص"، والمحتوى الجاذب للقارئ كعتبة نقدية تتيح للذهن الوقوف ضمن استراحات عبر المحاور والمفردات والعبارات السيميولوجية التي تتماشى مع الرؤيا أو "البعد المقولاتي لحضور المفردة الوجودية في نص أبو عفش". إلا أن الكتاب يفرض نفسه شعريًا لرؤية المقاصد والعتبات الشعرية، وعلى كافة الأصعدة وضمن بصمة خامة القصيدة وسياقاتها الوظائفية الموحية لجمال فني لفظي أدق، وأعمق من النص الازدواجي، وما يطرحه من قضايا يتكئ عليها الشاعر.
تربط المؤلفة "نادين باخص" أهداف بحثها النقدي وأبعاده المكتنزة بالمعنى بالموضوعات الوجودية وأثرها في شكل قصيدة أبو عفش بتنوعها وإيقاعها الصاخب. إذ يهتم بالشكل أولًا، لكن هذا لم يشغله عن عمق المضمون، برأي المؤلفة "نادين باخص"، إذ تتضح المفارقات في قصائده كلما توغلنا في القراءة، وكلما توصلنا إلى الإنسانية المرتبطة بالوجود العقلاني والعاطفي من خلال دعوة الإحساس "بالكائنات الحية المهملة". فالرموز في قصائده لها أيديولوجيتها التي تفككها "نادين باخص" باحتراف نقدي يميل إلى إبراز المفاهيم المنسوجة في قصائد ترمز إلى الطبقة الضعيفة في المجتمع. فهل علاقة الإنسان بالطبيعة تشبه علاقة الشاعر بالقصيدة؟
ثنائيات ضدية تتضمنها الصور الموحية بالارتباط بالطبيعة، والتي تتخذ بأبعادها البلاغية رموزًا نستشف منها الهواجس الشعرية التي تكثر في شعر أبو عفش، وعبر دلالات نعيد الإنسان إلى وجوديته وفنائه، فهو من الأرض وإليها يعود، وإن بتوق للعودة إلى الفطرة الكونية البعيدة عن الشرور والمآسي، والتهديد بالفناء كلما دق ناقوس الخطر أو عادت به الذكريات إلى الماضي الشعري، المثقل بالتمرد والمواقف الأيديولوجية المتضمنة تأثيرات عديدة تنبثق من معالجات شعرية صبغت العديد من الشعراء والكتّاب، وهي الحرية والوجودية، وبترميز وتناصّ بحثًا عن إعادة الإنسان إلى فطرته الأولى، وإلى السلام الفطري، مستعيرًا من عالم الحيوان البُنى الرؤيوية لغربة الإنسان ومعاناته الناتجة عن عصر خاوٍ من عناصر الطبيعة البكر. "فالأشجار تشعر بالحيرة. والهواء شاخ، وصوت الطيور اختفى بعد أن لم تبقَ الطبيعة شجرة تعشّش فيها." فهل تموت روح الإنسانية في الإنسانية كلما تشوهت عناصر الطبيعة بتماثل مهيب مع الإنسان؟
القاعدة الأساسية في شعر أبو عفش لا إنسانية الإنسان، لأن في الطبيعة البكر تأملات شبيهة بالإنسان، وبازدواجية ذاتية تجعله مكتفيًا بذاته، ينأى عن شرور لا يرغب بالانخراط فيها، وبتخبط نفسي يميل إلى تأزم يعكس كل الأزمات التي عاشها، والفكر المستخلص من أزمات انعكست على نتاجه الأدبي، والفكر الوجودي الذي تميز به. إذ إن أبو عفش يعبر في شعره عمّا يكابده الإنسان في عصر يصيب بالغثيان بما فيه من زيف ومغايرة للطبيعة الإنسانية. فهل من شيفرات ثقافية يتم استقراؤها في نص أبو عفش الشعري؟ أم أن "نادين باخص" تحاول إخراجه من مخبوء فكري متأثر بكتابات ج.ب. سارتر أو كامو؟
تناقضات وزيف عصر يصيب بالسوداوية، وبنزعة تشاؤمية قد يتخللها الأمل بنسب ضئيلة. فالأفكار العامة في الوجودية حادّة في تطلعاتها، بل وتثير القلق بأنواعه، وباستشفاف، رغم أن أبو عفش لم يكف عن إدانة العصر وعدالته، وقيامة ضميره باعتباره "محصلة بديهية للا إنسانية الإنسان"، هذا إضافة إلى العدمية والعبثية، والاستخدام الكثير للمفردة الدينية. فهل استطاعت الناقدة "نادين باخص" تقديم دراسة نقدية ديناميكية دون التقيّد الأكاديمي بالنقد وتوجهاته المنظّمة أو التشريحية – إن صح التعبير؟
تم نشره في جريدة المدى عام 2015