https://archive.alsharekh.org/Articles/180/20424/463430

قصة للأطفال تعالج من خلالها الكاتبة "سمر محفوظ براج" المعنى المتعلق بالخط الأحمر

ضحى عبدالرؤوف المل - لبنان

استطاعت المؤلفة "سمر محفوظ براج"، كاتبة قصة الأطفال "خط أحمر"، ضبط علاقة اللون بالخط والسلوك بمضمون الشخصية وحسن التصرف المبني على التقيد بالمعنى الذي يحتاج إلى شروحات متعددة لإيصاله بفهم دقيق للطفل من خلال قصة تعالج فيها المعنى المتعلق بالخط الأحمر. يُعتبر الخط الأحمر علامة للوقوف عند الضوابط والنواهي التي تشير إلى عناصر سلوكية يحتاجها الطفل للإدراك، المرتبطة بحياة الطفل اليومية التي يجب تعلمها بفهم ذهني استنتاجي مصدره الخط الأحمر. تم تحاكيتها بالصورة، مخاطبة الطفل بمنهج وعي محبوك باللون والصورة الفعالة، أي شرح تحاوري وتفاعلي من عدة نواحي تربوية ترتبط بالسلوك والأخلاق، بالممنوع والمرغوب، مع مساعدة في تحقيق عنصرين أساسيين في فن القصة القصيرة للأطفال: النص والصورة وارتباطهما بالمعنى الهادف فكريًا وذهنياً وبصريًا.

رؤية بصرية انسجمت مع النص وفق أبعاد الخطوط واتجاهاتها وتمثلاتها وتعبيراتها، فقد نجحت كل من "منى يقظان" و"ميرا المير" في منح الرسومات لغة طفولية عبثية لها دوائرها ومثلثاتها وتعرجاتها، حيث استخدمتا الأصفر والأحمر مع فروقات الألوان الأخرى لتوضيح الرؤية للطفل وربط الغضب باللون الأحمر. كما جرى ربط الممنوعات التي يمثلها هذا اللون في العنوان والمعنى، لينطلق الطفل في غياهب اللون الأحمر بدءًا من ذكريات الامتحانات، وتماشيًا مع إشارات السير الحمراء والممنوعات الأخرى، أو بمعنى "خط أحمر" ممنوع تمامًا في كل تفاصيله التي تمثل الإشارة الحمراء.

مصطلحات أدبية وانزياحات فنية تعتمد على اللون في مخاطبة الحس الأدبي عند الطفل، بفن ازدواجي ذو علاقة تتوحد من خلالها معاني الصورة والنص. وبمميزات أدب الأطفال القصصي المترجم لسلوكيات اجتماعية لا بد من فهمها، لتكون الأسس التربوية متينة قصصيًا في حياة الطفل الذي يسمع عن "الخط الأحمر" كثيرًا ولا يدرك معناه، وكأن للخط الأحمر قصة غامضة يبحث عنها من حوله في كل ما يقال. ترجمت "سمر محفوظ" في هذه القصة إرادة الطفل بعد دخول مازن البيت وسؤاله عن قول العم باسم "المكان الذي أوقف فيه سيارتي خط أحمر"، والربط الذهني بين اللون وكل ما مر في الذاكرة عن اللون الأحمر الذي طغى على القصة. بالرغم من دائرية وحلقة مفرغة يصعب شرحها بالكامل، فإنها تمثل إرادة المجتمع الذي يعتمد على لفظة "خط أحمر" والخطوط الحمر الأخرى التي يجب فهمها كي نحترم إرادة من حولنا، أو الأكثر شمولا في معناها الوطني، مشيرة إلى الاحتلال بقولها "الوطن... خط أحمر، لا يمكن لبلد أن يحتل أرضه فيه بيتنا وعائلتنا"، متدرجة من الوطن إلى البيت فالعائلة، وبهذا استطاعت رسم دائرية أخرى لتضع مثلثها الأرض والبيت والعائلة في دائرة الوطن.

استطاعت "منى يقظان" و"ميرا المير" الربط بين الخط الأحمر والدائرة في رسومات ذات علاقة بناءة في توليد الممنوع والمرغوب، وحصر مواضيع الممنوعات في دوائر للإيحاء بعدم الاقتراب مما هو داخل الدائرة المغلقة. وما بين مفتوح ومغلق، استنتاجات رياضية وتقنية معرفية، كالألعاب والأغراض الخاصة بمازن والجسم الذي يُعد محظورًا يمنع أيضًا الاقتراب منه. في هذا وعي في كيفية الربط بين النص والصورة والمعنى، بتدعيم البناء القصصي مع التصويري القادر على اختراق الذهن والعصف به للتحاور مع الطفل ببساطة. فالحلول في نصف الدائرة المفتوحة على مستطيل فيه إشارة ممنوع الضرب هي حلول ترتبط بالدائرة المفتوحة حيث تترجم الصورة رياضيًا وهندسيًا مفاعيل الخط المستقيم والخط المتعرج، والأشكال كالمستطيل والدائرة والمثلث وما إلى ذلك. لتكون المصطلحات الأدبية والفنية معًا في ذهن طفل يسمع أو يقرأ ويرى بتحليل تدرجت به الكاتبة "سمر محفوظ براج" بتقنية سردية تحليلية تصاعديًا وبشكل حيوي في بناء القصة.

مفاهيم إيحائية ومفاهيم ورائية وتفاصيل لا يمكن فهمها دون الصورة وما تحتويه من جزئيات تحاور الطفل بصريًا مع أهمية النص كأهمية التفاف الخط الأحمر بلولبية مرنة على خصور الأطفال عند القول "لا تسمح لأحد بأن يقترب منها أو أن يلمسها..." وهنا ظهور الإصبع المحظور من الخط الأحمر في وجه الغرباء هو عصف ذهني يشجع الطفل على الاعتراض وقول لا في وجه الأشخاص غير المعروفين أو المقربين من غير الأم والأب والطبيب. أي عند الاقتراب من خاصية جسده، فقوة الربط بين الصورة والنص حملت متانة فكرية ذهنية بصرية تفتح آفاق الحوار بين الطفل والصورة، وما يقرأه أو يسمعه من قصة ذات جزئيات تربوية تهتم بتهذيب الطفل مع مفاهيم سردية انتقالية تيسر للطفل الانتباه. لتتمكن من مخاطبته معتمدة على الكلمة ومعناها من خلال صورة ولون وحركة وتساؤل يفيد الرجوع إلى الأم أو أفراد العائلة الذين يهتمون بالطفل مع عبارة "انتبه لا تقبل..." ورفع الإصبع مرة أخرى عند الإشارة للغرباء و"كن قويًا وشجاعًا" عن إظهار الأسنان والغضب كالصورة الأولى في القصة. وبربط ذهني مثير في مضامينه للتأكيد على رموز بصرية ومصطلحات الجزم والنفي في عبارات الكاتبة التي انتقلت من البساطة إلى التعقيد بعمق طفولي تحاوري ومحاكاة واعية متممة لأدب الأطفال وجماله وتعابيره، بجمالية وبمنهجية موضوعية في الفهم والإيحاء المتعدد الوجوه، فيما هو ثانوي والمتوحد بمعناه بين الممنوع والمرغوب والإصبع المرفوع في قول لا أو خط أحمر. فهل نجحت الكاتبة "سمر محفوظ" في منح القصة نوعًا من الميل والجذب نحو الحقيقة التي لا بد من فهمها عند الطفل؟

حساسية موضوع التحرش في قصة "خط أحمر" لم يبدأ مباشرة مع الطفل بمنع الغرباء من الاقتراب أو اللمس بجسده. إنما بكشف موضوعي بصري، وذاتية لها خاصية التعبير بنوع من الزئير والرمز بالأسد، وما بين الصوت والصورة تفاعل الزئير مع المنع المطلق وبقوة التوازن والتضاد بين هدوء الطفل وخجله وقول "لا" وزئيره كالأسد للتعبير عن الرفض بقوة إن تم لمس جسده من غرباء لم تذكرهم بل حددت الأم والأب والطبيب وربما الجدة فقط. لتكون بذلك ابتعدت عن جرح مشاعر الطفل أو بث الخوف في نفسه أو حتى لتساؤلات مخفية قد لا يجد الإجابات المفيدة لها إن تطورت المعاني أو اتسعت عن مداها المحدود أو التخييلي في قصة تربوية هادفة تتميز بإيقاظ الحس المعرفي عند طفل يسمع كثيرًا عن "الخط الأحمر" والبتر في الاقتراب منه أو تخطي حدوده، وبجسده الذي هو خط أحمر أيضًا، وبشكل عفوي دون التركيز على سلبيات الموضوع، وإنما بحرص سلوكي إيحائي يفيد بضرورة الحظر وقول لا والزئير إن احتاج الأمر، وبجرأة طفولية تفصح عن مكنون نفسي، وهو الرفض والمنع بتاتًا، وإن بلغة واقعية تمزج بين الخيال والصورة بنوع من الاستبصار والعصف الذهني.

زوايا نظر مختلفة، سواء في النص أو الصورة، وبحرفية وفهم واعٍ في إيجاد تقنية قصصية ذات متعة عميقة في القراءة والفهم، والصورة والتحليل لتوثيق العلاقة بين الطفل وما يسمعه أو يقرأه. برؤية فنية لها مدلولاتها الذهنية المخصصة لتوطيد العلاقة مع الطفل والموضوع الذي يعتمد على التحرش، وبعمومية لها أبعادها القصصية لإزالة شوائب الخجل والتردد والخوف من الرفض وعدم القبول بالممنوعات عند الإحساس بالجوانب الأساسية والمتعددة التي طرحتها القصة. بذهنية أدبية وفنية لها خاصيتها الأدبية. انطلاقًا من الرسومات والنص، والاندماج الكلي مع "الخط الأحمر" ومساحاته التخيلية التي بدأت بالغضب عند العم باسم وانتهت بزئير وعدم السكوت وإعادة لشرح من جديد.

لإظهار التعابير بقوة استخدمت الكاتبة التضاد بين الاسم والفعل والصفة، فالعم باسم غاضب، والابتسام والغضب ردات فعل انفعالية ناتجة عن استخراج التعابير بالمعنى والصورة. وطابع الفعل وردة الفعل ناتج عن انتهاك حدود إرادة الآخرين وأمكنتهم بين الاقتراب والابتعاد عن المحظور، وبين الغياب والوجود والملاطفة والمداعبة، ومنح العاطفة عند الابتعاد عن التخييل والاقتراب من الواقع لتخفيف التأثر والتأثير والاقتراب من نفس الطفل، كلما توغل بعمق نحو أجزاء القصة وصولًا إلى نهايتها. لتمثيل الحدث بفاعلية قصصية تترجم أحاسيس الطفل الذي يتحاور مع مازن عبر التقارب والتباعد في المعاني والتعابير التصويرية في رسومات اختلفت مقاييسها، لتكون أقرب إلى المحاكاة البصرية، بمختلف ردود أفعالها وحركاتها وألوانها والبنية القصصية المؤسسة لمفاهيم قريبة وبعيدة هي بحد ذاتها تشكل نوعًا من الحنكة القصصية في أدب الأطفال الذي يعتمد على السمع والبصر والتخيل، لالتقاط تفاصيل الواقع، وبربط ذهني له دوره في صياغة التساؤلات لإتمام التفاعل التحاوري مع الطفل وبدون أي تحسس أو خوف من إدراك المعنى الذي تتوجه به الفكرة لتقويم السلوك أو توضيح المفهوم الاجتماعي أو سواه.

اختارت الكاتبة الخط واللون للتعبير عن حالة منع لها فسيولوجيتها في عدم التجاوز دون تجاهل الغضب والرضا بين القبول والرفض بالمعنى، وبنظام لولبي في الالتفاف والعودة من البداية إلى النهاية وبالعكس، كما الخط الذي يوحي بالمنع النهائي من الاقتراب وإبراز رفع الإصبع عند قول لا، والذي يرغب به الطفل لا شعوريًا لرفع الإصبع كل مرة عند الإحساس بالرفض، وبتمثيل معنوي متصل بالجوانب النفسية عند الطفل وبنيوية الرؤية المنطقية وخصائصها البصرية والسمعية والحركية، لإنجاز الوظيفة القصصية وإيصالها ضمن متغيرات الأداء السلوكي المرتبط بالنص والفكرة، والعبارات الدقيقة المتناسقة مع الرسومات التي منحت القصة قوة بصرية مضافة إلى المعنى القصصي الهادف والتوجيهي معرفيًا وسلوكيًا لاكتساب المعنى بازدواجية الكلمة والصورة لإزالة الجوانب المبهمة للخط الأحمر والتحرش باستبطان انفعالي وبخاصية الزئير وقوته.

تم نشره في مجلة قوافل عام 2015