القندس والراوي وما بينهما من أحداث مشتركة.
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "القندس" للروائي محمد حسن علوان.
سريالية صنعها الروائي محمد حسن علوان من القندس في رواية حمل عنوانها صفة كائن ماهر في بناء المسكن، لكنه دميم الشكل، وربما سريالي في شكله وحرصه ومخاوفه، وما بين قاع النهر لو جف، ومذاق القهوة دون قرنفل ربط تخيلي افتراضي، وعصف ذهني روائي يتقدمه كائن القندس بموازاة تثير عند القارئ علامات تعجب تجذبه نحو المزيد من الشغف الروائي، ليكتشف كل من القندس والراوي وما بينهما من أحداث مشتركة، فهل استطاع الكاتب بناء الرواية باختزال يعتمد على التصوير الحسي المتنوع سرياليا واقعيا تخيليا وما إلى ذلك؟
"القنادس تتصرف بألفة أحيانا، لكنها تظل شرسة في الغالب" جملة ذات مضمون محصور بالشراسة التي يمتلكها هذا الحيوان رغم الألفة التي يتصف بها، والإسقاطات المكثفة في الرواية اتخذت مساراتها عبر تحولات سلوكية يؤكد من خلالها على ما يحمله الإنسان من جينات وراثية تنبئ عن استحالة وضع مخططات عائلية قادرة على احتواء العقول والعواطف معا بل الاختلافات الاجتماعية التي أظهرها في روايته بفن روائي انتقادي سوسيلوجي ونفسي اخترق من خلاله الخط الأحمر في مجتمع سعودي متمسك بعاداته وتقاليده، لكن الراوي لم يتخل عن عقلية العربي التي تتكون منها خلايا وجوده، ولم يتخل عن نظرته للمرأة رغم الحب الكبير الذي عاشه مع امرأة تحيا بانفصام نسوي مع زوج وحبيب، والسبب خلافات أسرية منعت غالب من الزواج بها، ليحتفظ بنكهة كل لقاء في ذاكرة تكونت عبر محطات متفرقة، وكأن الحب سياحة حياتية عبارة عن رحلة نقوم بها بمغامرات شتى، أعظمها تلك التي نستيقظ منها على وهم كبير، فهل بناء الرواية يعتمد على التشابه والمقارنة والنقد الاجتماعي أم أنه أرخى عفويته الروائية لتختزل الأحداث عبر قصة حب تخفي معها حياة المجتمعات العربية؟ وهل هذا ما تقوله القبيلة التي في دمه؟
يطرح الروائي الخلل الأسري الذي يبدأ من الأب والأم، والصراع الذي ينتقل إلى الأبناء الذين يقبعون تحت سقف مثقوب لا يمكن ترميمه ما لم يكن البناء من البداية سليما "من الصعب جدا أن نعيش تحت سقف مثقوب" فهو يضع مجهره الروائي على مشاكل العائلات العربية والمرأة المتسلطة، والمتخفية تحت عباءة الطاعة، لكنها في قرارة تكوينها كائن متمرد، يحاول الخروج عن الأعراف والتقاليد بشتى الطرق، فهل استطاع منح المرأة شهادة البراءة وصك الوفاء أم تركها مع غادة بين علامات تعجب لا تنتهي؟.
ما يحمله الطفل من جراح منذ الطفولة تعاوده بعد عمر الأربعين، هذا ما يؤكده الكاتب في روايته تاركا لغالب دوره الفعال في تكوين الحدث الماضي والحاضر، لنستنتج المستقبل من خلال عنصرين زمنيين يمر بهما الطفل، وتنقش ذاكرته كل التفاصيل "يضحكون وأضحك، ثم ينسون وأبكي" والجروح الناشئة عن قساوة الأم، والكره الذي تبثه نحو الأب، وكأن الأمومة تتعلق بالحب وبطيب العلاقة مع الرجل، لتثمر في قلوب الأولاد، ولتبقى شيخة نموذجا لزوجة الأب التي تعكس طيبة لا تتصف بها أم غالب نفسها ، فهو يحاول بناء الرواية تناقضيا، لتكون جزءا من مجتمع اعتاد على السلطة، وعلى إبراز صفات العشيرة القبلية التي تتكون في عقل الراوي قبل غيره، فما أظهره من علاقات نسائية ما هي إلا الوهم الذي بحث من خلاله عن أم بعيدة عنه، تسكنه باشتياق وحنان، وهذا ما جعل حبكة الرواية العاطفية منسوجة اجتماعيا بمنطق المجتمع السعودي، أو بالأحرى مجتمعي الرياض وجدة، ولكن لكل قاعدة استثناء، ولكل مجتمع مميزاته السلبية والإيجابية، وهذا ما لم نلمسه في الرواية، لتكون اجتماعيا قطعة من مجتمع أراد تصويره روائيا كما يجب.
عالم من الحيوانات بناه من قندس يتماهى معه، وعائلة قنادس جل همها بناء مسكنها باحتراف ونظام، وهو الذي يتسابق إلى الملاهي الليلية باحثا عن الأمن والاستقرار، وكلما حاول فهم حياته لجأ إلى الذاكرة لينبشها، ولكن النقد الاجتماعي لم يكتف به عربيا بل انتقد المجتمعات الغربية التي عاش فيها تلميذا وعاشقا، يبدو الملهى أحيانا مثل سباق الخيل، الرابحون يمضون سريعا، ويتجهون إلى منصات التتويج، والبائسون يلملم بعضهم بعضا آخر الليل، ويمضون معا إلى الإسطبلات الخلفية." إن القندس بغرابته تواءم مع الرواية ورؤيتها واتجاهاتها وقدرتها على تصوير معاناة الأسرة وتفككها، والمحاباة في الخروج من نهاية، ما هي إلا الوهم الذي كان يخافه في الحب والأبوة والأخوة والأمومة.
لا يمكن للرغبات أن تتخذ مكان الأهداف، لأن الحياة نتيجة وجودنا فيها تعادل أهدافنا فيها، فإما الفشل أو النجاح، وهذا ما أراده المؤلف من كلمة نجاح التي أراد المدرب التنموي طرحها، لكن لغالب قنادسه التي يتأملها كلما لجأ إلى التأمل، ليعيد رؤية الحياة في أسرة مولود فيها، ولا ينتمي إليها، وهذه صعوبة الانتماء الأسري الذي يعاني منها الأولاد في العائلات التي تؤدي دورها ميكانيكيا توارثيا دون تجدد في مفاهيم الزمن الذي يمضي ويترك أثره على العقول المتحجرة غير القادرة على فهم سلوكيات من حولها، فهل يحاول الروائي انتقاد الأسرة العربية في مفاهيمها وعاداتها وتقاليدها أم يحاول التحرر من قيود المفاهيم العربية مع عدم الالتزام بالفكر الغربي؟
تفكك أسري بين أفراد عائلة جمعهم رحم، وفرقت بينهم أحداث الحياة التي لا ينجو منها الأطفال عند حدوث شرخ عائلي أو طلاق، وما يصدر عنه من مفارقات تنطبع في أذهان الأولاد، ويخافها بعضهم أو يخاف تكرارها "أخي حسان قبل جبيني لأول مرة في حياته بدافع الشفقة، ثم ترك المكان بعد دقائق، كأنه يعود شخصا غريبا وليس أخاه الأكبر" فالموضوعية الروائية توازنت مع منطق الحكمة الأدبية التي نثرها بين الأسطر للتفكر بها بعيدا عن الأحداث النفسية الموجعة، مع الاحتفاظ بالحيلة الروائية التي جذبت القارئ منذ البداية حتى النهاية، وكأنه هو الجزء المهم من رواية تركت للقارئ اكتشاف الحقائق المرتبطة بشخصية شبيهة بالقندس.
Doha El Mol